كتاب

في زمن «الكورونا» من الصين إلى الأردن



ما يجري على المستوى العالمي جديد على الجميع، فنحن لا نواجه وباء شديد العدوى فقط، بل نواجه عصرا جليدا اقتصاديا لا ينفع معه تخفيض معدلات الفائدة أو ضخ الأموال في الأسواق، ناهيك عن نقص كبير في العرض والطلب وتهديد لحياة ملايين الناس، أضف لكل هذا أننا لا نعلم متى ستنتهي هذه المحنة وما هي تبعاتها تحديدًا فمصل الوقاية من الكورونا يحتاج الى عام على أحسن التقديرات ليصل الى الجميع.

في زمن الكورونا تتسلل الصين بقوتها الناعمة لقيادة العالم في محنته، فهي ترسل المستلزمات والفرق الطبية لإيطاليا التي تخلت عنها دول الاتحاد الأوروبي المشغولة بمحاولة انقاذ نفسها بعدما أغلقت الولايات المتحدة حدودها في وجه حلفائها، فواشنطن تواجه الكثير من النواقص في الإمكانيات والمعدات الطبية والدوائية التي قد لا تستطيع استدراكها من غير المساعدة الصينية، ناهيك عن سوء إدارة للازمة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي والمؤشرات الاقتصادية التي تتنبأ بكارثة قريبة تفوق كل المقياس فنسب البطالة ارتفعت من ٣٪ الى ٢٠٪ في أقل من أسبوع واحد.

الصين بقدراتها الإنتاجية الفائقة وخبرتها في مواجهة الوباء وحرصها على الترويج لقدراتها في مكافحة الوباء والسيطرة عليه تصدر نفسها لتكون من يقدم العون للجميع لتبرهن على قدرتها في قيادة العالم خلال الازمات بفاعلية وتغطي على تكتمها عن انتشار الكورونا في بدياته، وتحلم الصين في أن تكون الكورونا وتبعاتها «أزمة سويس» جديدة تنهي التفوق الأميركي أو تخفف منه لنتحول الى نظام متعدد الأقطاب كما حصل في عام ١٩٥٦ لبريطانيا العظمى وفرنسا اللتين انتهتا كقوتين عالميتين.

الكورونا أعادت الدولة المركزية وجهازها الإداري وقطاعها العام ومؤسساتها الأمنية والعسكرية الى الواجهة، بعدما ثبتت الحاجة اليها وتراجع القطاع الخاص والهيئات في وجه الازمات، كذلك انتعشت فكرة العودة الى الاقتصاد الوطني لإنتاج الأساسيات وتحقيق الاكتفاء الذاتي كضرورة أمنية، بعد الهزات التي تعرض لها اقتصاد العولمة وسلاسل تزويده وانتاجه، وقد نرى قريبا اهتمامًا متزايدًا بالقطاع الزراعي، والتصنيع المحلي.

في الأردن تتقاطع المخاوف بين خطر الوباء الصحي وتداعيات احتوائه الاقتصادية، لكن جو الاصطفاف والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها يبعث الثقة والأمل، فالمملكة بمجتمعها الفتي والإجراءات المتبعة للسيطرة على الوباء تمتلك فرصا جيدة لتخرج بأقل الاضرار على المستوى الصحي، وهذه الفرص تعتمد على الوعي الشعبي والتماسك المجتمعي والخطوات والإجراءات الحكومية وما تمتلكه من خطط للتصدي لهذه الازمة التي إن طالت تحتاج الى تكتيك آخر للتعامل معها واستراتيجية واضحة لتبعاتها كذلك.

قد تكون هذه الازمة فرصة أردنية بامتياز للحفاظ على جسور الثقة بين المجتمع والحكومة ليس للعبور من الازمة الاقتصادية المتوقعة فحسب بل لإعادة رسم التوجهات الاقتصادية والسياسية عموما، فقائمة الأولويات ستختلف غدًا كما ستختلف قوائم الحلفاء، ووجه العالم قد تغير الى الابد، والثابت الوحيد هو أنه ليس للأردنيين الا دولتهم التي أثارت الاعجاب في ادارتها للازمة حتى الان وليس للدولة الا الأردنيون الذين وقوفوا خلفها باختلاف منابتهم وتوجهاتهم.

Saifalrawashdeh0@gmail.com