حسم جلالة الملك عبدالله الثاني أمر الانتخابات النيابية القادمة بموعدها الدستوري في صيف هذا العام، بعد أن أصبح مادة الحديث الأساسية والاجتهادات لجميع طبقات المجتمع، وخصوصا أصحاب الصالونات السياسية بأجندتهم المعروفة بالفتوى والتوقعات، وربما الاعلان الملكي أسعدنا برحيل المجلس الحالي دون فرصة ندم، فكلنا يدرك ويعرف جيداً أن مجلس النواب الحالي قد أنهى فترته القانونية، بالرغم من التقييمات المتناقضة لمستوى أدائه وإنجازاته، ولكن الارتياح العام لقرار الحسم قد بعث برسالة اطمئنان أسعدت الجميع، وربما الأهم، هو الحرص للمحافظة على أساسيات البناء للدولة المدنية الحديثة بإجراء انتخابات نيابية كل أربع سنوات، شهادة للاستقرار ورسالة لأكثر من اتجاه، وتلخص الأمل الذي يسكن بداخلنا، بعد أن بدأ البعض بتسويق فرص التمديد للمجلس الحالي، ولا نعرف مصدر هذا الاجتهاد أو هدفه، ولكنه أثار قلقا وتحفظات بسبب الأداء السلبي للمجلس الحالي الذي تركنا نحتار بتصنيف توجهاته.
أجتهد بالقول والاستخلاص بأن القرار والاعلان الملكي بهذا التوقيت الزمني المبكر بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري بعد اجتماع سياسي حاسم مع المؤسسات الرسمية ذات العلاقة، يعطينا أكثر من دلالة مهمة على المستقبل الذي يجب أن يكون عنوانه «بناء الأردن القوي المستقر»؛ المستقر سياسيا، داخليا، وطنيا، اقليميا، وعالميا، وهناك توأمة بين الاستقرار السياسي والداخلي بسبب تداخل معطياتهما ونتائجهما، بواحدة منها ممارسة الحقوق بالترشح والانتخاب ضمن قانون الانتخاب النافذ، لتكون الدلالة الثانية على سلم الاستنتاج برسالة مهمة لجذب الاستثمارات بفوائدها المنتظرة، فأصحاب الاستثمار يبحثون عن الدول الديموقراطية المستقرة ذات القوانين الناظمة ومؤسسات التشريع المسؤولة، وهي بذات الوقت تعطينا دلالة أشمل بزيادة مساحة رقعة الدولة على الخارطة السياحية العالمية، فالسياحة اليوم مقصد للدول المستقرة والتي توفر البيئة الآمنة لشعبها، فتسوق بسلاسة خصوصا أن تاريخ الدولة الأردنية الهاشمية منذ نشأتها، هي أنموذج ومثال للإحتذاء ويشفع لها باحتلال مركز متقدم في المجال السياحي.
إجراء الاتخابات النيابية بموعدها الدستوري، يضفي مصداقية على المكانة العالمية المؤثرة التي يحتلها الأردن نتيجة الجهود الملكية التي يبذلها عميد آل البيت، فمقياس تقدم الدول واستقرارها بواحد من أساسياته بالحفاظ على البنود الدستورية النافذة التي تحكم العمل السياسي والنيابي، وهذا مؤشر وبوصلة لثبات أركان الاستقرار والتي تمنح الدولة دورها المهم والمؤثر بالقرارات الدولية والإقليمية.
توقيت الإعلان الملكي عن الاستحقاق الدستوري والعرس الديموقراطي في الصيف القادم، أعطى لنا جميعاً الفترة الزمنية الكافية لتحديد المواقف، وعلى الجميع بطرفي المعادلة أن يحسم أمره ويقيم ذاته، فقانون الانتحاب واضح للجميع، فمن يريد الترشح لعضوية المجلس، فعليه العمل وإثبات القدرة على الاقناع بأهليته لهذه العضوية، والعبء الأكبر يرتب مسؤولية وطنية وأخلاقية على الناخبين بإختيار الأنسب وبعيداً عن الحسابات التراكمية والأبجديات المتوارثة، وربما الأمل الأكبر لتطبيق أسس الانتخاب يقع على الفئة الشبابية المتعلمة التي ستمارس حقها الدستوري، فعلينا أن لا ننتقد الأداء إذا تم الاختيار بطريقة عشوائية، وربما أننا بحاجة لمصارحة ذاتية وصادقة بأرقى درجات الشفافية، كل في دائرته الانتخابية لتقييم أداء ممثليه، وعلينا أن نتحلى بالجرأة والصراحة، والتقنين من الوعود ليعرف كل مترشح بحجمه الحقيقي وفرص النجاح بين القواعد الانتخابية، فلا يراهن على حسن النية أو النسيان، فكلنا شاهد على الأداء النيابي المتواضع، فقرارات الموافقة تعكس التصريحات النارية التي كنا نشاهدها عبر محطات الإعلام لنسبة لا بأس منها والتي أدت جزءا يسيرا من أحلامنا وللحديث بقية.