لقد دافع المتخصصون في ميدان الموهبة والتفوق عن الاهتمام المطلوب بتربية الموهوبين والمتميزين بنقاطٍ غايةً في الأهمية، يتمثل أهمها في أن الطلبة من هذه الفئة يمثلون مصادر ذات قيمةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ كبرى للمجتمع حاضراً ومستقبلاً، حيث تعتبر قدراتهم العقلية عالية الذكاء، مجالاً خصباً للاختراعات والاكتشافات والتطورات العلمية والفنية والتكنولوجية، مما يسهل كثيراً من حياة المواطنين في أيام الانفجار المعلوماتي الهائل، ويسهم في حل الكثير من المشكلات التي تواجه المجتمع المحلي الذي يعيش فيه هؤلاء الطلبة. كما تستحق فئة الطلبة الموهوبين والمتميزين معاملة خاصة، ما دام الطلبة المعاقين يجدون الرعاية والاهتمام منذ فترة طويلة، وتصرف على برامجهم الأموال الطائلة لأسبابٍ إجتماعيةٍ وإنسانية ومعرفية،رغم أنهم يمثلون نسبة أقل من نسبة الطلبة الموهوبين ويختلف المردود العائد من وراء هذه النفقات كثيراً جداً ما بين الطرفين.
ونظراً لسيطرة المقولة بأن الأطفال الموهوبين بحاجةٍ إلى بيئةٍ مثيرة وملائمة، فقد تمّ فتح النقاش بشكلٍ علني بين اتجاهين مختلفين للمهتمين في ميدان التربية والتعليم، حيث يرى الفريق الأول ضرورة وضع الموهوبين في صفوفٍ خاصةٍ بهم كي تتوافر لهم الفرص التعلمية الملائمة لقدراتهم العالية في التفكير والعمل والنشاط، فيما يطرح الفريق الثاني رأياً مغايراً يتمثل في الحاجة الماسة لبقاء هذه الفئة المتميزة مع أقرانهم العاديين وبطيئي التعلم، حتى يستفيدوا من آرائهم وأفكارهم وأنشطتهم المختلفة.
كل هذا يستوجب زيادة الاهتمام بالموهوبين وبرامجهم، سواء كانوا مع العاديين أو ضمن صفوفٍ دراسيةٍ مستقلة، حتى تتم دراسة هذا الاتجاه وذاك، من أجل التأكد من المزايا لكلٍ منهما، ومدى الآثار الايجابية أو السلبية التي يمكن أن تؤثر على الأطفال الموهوبين والعاديين في وقتٍ واحد. كما أنه إذا لم يتم الاهتمام بتربية الموهوبين والمتميزين على شكل إيجاد برامج خاصة بهم تراعي قدراتهم وميولهم واهتماماتهم، فإن ذلك سينعكس سلباً على نسبةٍ ليست قليلة منهم، والذين قد ينسحبون من المدارس، أو يهملون في دروسهم، أو يقصرون في أداء واجباتٍ وأنشطةٍ عديدة يعتبرونها أقل بكثير من مستوياتهم أو من قدراتهم العقلية الفذة.
وقد يفقد هؤلاء الطلبة حماسهم نحو المدرسة ذاتها، لأن المعلمين فيها يطالبونهم بالتحصيل العادي، حيث يثير الملل والسأم في نفوسهم، مما يتطلب وجود برامج خاصة بهؤلاء الموهوبين حتى يشجعوهم على الاستمرار في التميز وتوظيف القدرات التي يمتلكونها، فيما يفيدهم ويفيد مجتمعهم المحلي، ويثير الدافعية العالية لديهم. ويرى المدافعون عن تربية الموهوبين والمتميزين بأن هذه الفئة من الطلبة وبما تمتلكه من إمكاناتٍ عاليةٍ من الناحية الذهنية، وما لديهم من دافعية قوية للتعلم، قد جهزت نفسها أصلا كي تقبل التحديات غير الموجودة في منهج الطلبة العاديين، مما يتطلب تخصيص منهجٍ متمايز يراعي تلك القدرات والحاجات، وإيجاد برامج خاصة تزود الموهوبين بأنشطةٍ كثيرةٍ تلبي طموحاتهم الواسعة وقدراتهم العالية.
ويشعر المناصرون لتربية الموهوبين بأن هذه الشريحة من الطلبة ما زالت مهملة من حيث تلبية حاجاتها الكثيرة، وذلك في ضوء التركيز على مبدأ المطالبة بوضع جميع الطلبة ومن مختلف القدرات والمستويات ودمجهم في صفٍ دراسيٍ واحد، ومع من يعاني من صعوبات التعلم، وذلك بجانب الموهوبين والمتميزين، وهو ما يؤدي إلى إضعاف روح النشاط والحيوية والإبداع عند فئة الموهوبين، مما يحتم ضرورة إيجاد صفوفٍ خاصةٍ بهم، حتى لا يتأثروا سلباً بما يطرح للفئات العادية والضعيفة من معلوماتٍ وأنشطةٍ وواجباتٍ تبقى أدنى بكثيرٍ من قدراتهم وطموحاتهم واهتماماتهم.
وتقوم الأنظمة التربوية الحديثة في عالم اليوم على المبادئ الديمقراطية، وأن المدارس تمثل في الواقع أذرعاً لهذه المبادئ، مما يتوجب عليها تطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين فئات الطلبة جميعاً والتي تختلف ليس في أصولها ومنابتها ومعتقداتها فحسب، بل وفي قدراتها العقلية ونسبة الذكاء بينها أيضاً. ولما كان الاهتمام الأول يتم بالدرجة الأساس على ذوي القدرات العقلية العادية، فإن العدالة الحقيقية تتمثل في أن تنال فئة الموهوبين الاهتمام ذاته، وذلك عن طريق تحقيق رغباتهم في وجود صفوفٍ أو مدارس خاصة بهم، توفر لهم العديد من أنشطة التحدي لقدراتهم العقلية والإبداعية عالية المستوى والتي غالباً ما يصعب توفيرها في المدارس العادية.
ويلتحق الموهوبون من الأطفال بالمدارس منذ اليوم الأول وهم يمتلكون أصلا العديد من المهارات الأساسية التي يحتاجها من هم في عمرهم من أقرانهم العاديين. لذا، يشعر هؤلاء الأطفال بأنهم معزولون منذ البداية، أو يعتبرهم كثير من المعلمين بأنهم مختلفون عن بقية أقرانهم الآخرين، لأن المدارس العادية لديها مهمة أساسية تتمثل في توفير الفرص والخبرات والأنشطة التعلمية المتنوعة التي تساعد في اكتساب الأطفال العاديين لتلك المهارات التي اكتسبها الأطفال الموهوبون قبل دخولهم المدرسة، مما يجعل من فئة الموهوبين من الأطفال تنظر إلى ما يتم بأنه ضياعٌ للوقت في أمورٍ اكتسبوها من قبل. وهذا ما يطالب به المناصرون لتربية الموهوبين من ضرورة إنشاء برامج أو صفوف أو حتى مدارس خاصة لهم حتى لا يضيعوا الوقت الطويل في اجترار ما امتلكوه من قبل، وما قد يحدث من نتائج عكسية تتمثل في المشكلات النفسية والاجتماعية التي لا تؤثر على هؤلاء الأطفال وعائلاتهم فحسب، بل وتمتد إلى المجتمع الذي يعيشون فيه أيضاً.
ويرى المؤيدون للاهتمام بتربية الموهوبين والمتميزين أيضاً بأنه إذا ما تمّ تحقيق حاجات الطلبة الموهوبين عن طريق تصميم برامج خاصة بهم تتمشى مع هذه الحاجات والقدرات، فإنهم سوف يحققون في الغالب مستوياتٍ عليا من التحصيل الأكاديمي والأداء الرفيع، ويعزز بالتالي قوة التشجيع على التحدي لما هو أصعب وأفضل. فالطلبة الموهوبون عندما تتوفر لديهم البرامج الملائمة لقدراتهم، فإنهم يعملون على استغلال المعارف الهائلة التي يمتلكونها واستخدامها كخلفيةٍ معلوماتيةٍ لأنشطةٍ تعلميةٍ غير محدودة، ويوظفونها في حل المشكلات الصعبة التي يواجهونها أو يواجهها مجتمعهم في الحياة اليومية.
ويعتقد المناصرون لتربية الموهوبين والمتميزين كذلك، بأن المساهمات الفعالة والمهمة لخدمة المجتمع وتطوره ونمائه تأتي في الجزء الأكبر من جانب الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه الفئة المتميزة من الناس. فالمجتمع يحتاج من الموهوبين أن يلعبوا أدواراً أكثر أهمية لخدمة المجتمع، وذلك عن طريق الاختراعات والإبداعات التي يتوصلوا إليها بسرعة أكبر من أقرانهم العاديين، ولاسيما في زمن التطورات المتسارعة في العلوم والفنون والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلوماتية والتفوقات الثقافية والاقتصادية والعلمية والعسكرية. فتوفير البرامج الخاصة للموهوبين تفي بحاجاتهم وحاجات المجتمع وطموحاته في الوصول إلى أعلى درجات التقدم والرقي والازدهار، وبخاصة إذا ما تمّ توفير الفرص الكافية والمتنوعة التي يحتاجونها لتوظيف ما لديهم من قدرات وطاقات إبداعية وإنتاجيةٍ هائلة، مما يرفع من أهمية رعاية برامج تربية الموهوبين والمتميزين وتزداد الحاجة إليها.