في فصل الشتاء يهتم أهالي الأردن وبلاد الشام عموماً بصنع طعام «المجدرة» بشكلٍ لافت.. لأن هذا الطعام يُعطي الطاقة والحرارة لجسم الإنسان أيام البرد الشديد.. والمثل الشعبي في بلاد الشام يقول: «المجدرة أكلة مُقدَّرة».
وهذا الطعام لا يحتاج طبخه للحوم.. فهو بالعموم يتكون من العدس الحب والأرز والبصل المقلي بالزيت.. وهناك من يستبدل الأرز بالبرغل.
وفي مصر بالذات فإن هذا الطعام يُسمى بِـ«الكُشري» حيث يتم تناوله طوال أيام السنة -وله مطاعم خاصة فخمة هناك- بسبب أنه طعام شعبي شهير وغير مكلف مادياً.
والكشري في العراق يطبخ بالأرز والعدس الأصفر المجروش ويقدم عادة مع كبة الحامض ويعتبر مكملاً لها.
وهذه الأكلة ذات أصل واحد، لكن لها في كل بلدٍ عربي اسـماً مختلفاً وطريقة طهو مختلفة، والكل يصنعها طبعاً على طريقته الخاصة.
تاريخ الكشري
قد يكون أول من ذكر الكشري في التاريخ المدون هو الرحالة المعروف ابن بطوطة المتوفى عام 1377 م في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ( ففي وصفه للهند قال ابن بطوطة: «إنهم يطبخون المنج مع الأرز ويأكلونه بالسمن ويسمونه كشري.. وعليه يفطرون في كل يوم». وكلمة كشري مشتقة من اللغة السنسكريتية وتعنى أرز مع أشياء أخرى.
وعندما أدرك المصريون القيمة الغذائية العالية للكشري قاموا بإضافة المكرونة والحمص والعدس له وارتبطوا به.. بينما قلَّ أرتباط الهنود به مع مرور السنين.
ويُقال أن أول مرة عرف فيها المصريون الكشري كان عند اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ عندما جاء الجنود الهنود إلى مصر مع الجيش البريطاني في عام ١٩١٤، في فترة الحماية البريطانية على مصر.
فبسبب اختلاط المصريين بالجنود الهنود عن طريق البيع والشراء عرفوا الكشري من الهنود، وبعدها بدأ ينتشر في معظم أرجاء القاهرة وغيرها من نواحي مصر.
والكشري إذ يحتوي على العدس الأسود والأرز والحمص، فقد أضاف إليه الإيطاليون المقيمون في مصر المكرونة التي يفضلونها!! فأعجب المصريون بهذه الإضافة وقرروا أن يضيفوه إلى الكشري.
وكذلك أضاف المصريون للكشري الصلصة والدقة، ثم أضافوا له البصل المحمر، عن طريق رشه على طبق الكشري بعد الانتهاء من تحضيره، وبعدها قاموا بإضافة الحمص المسلوق.. وبهذا أصبح الكشري من أبرز الأكلات الشعبية المصرية والعربية .
وفي رواية أخرى يُقال أن الكشري ورد في كتاب «الجبتانا» أو أسفار التكوين المصرية، وهو كتاب يحتوي على نصوص دينية خاصة بمصر القديمة، فقد ورد فيه أن أصل كلمة كشري من «كشير» وهو طعام الآلهة عندهم.
لماذا سُميت بالمجدرة
هناك من يقول قديماً أنَّ سيدة من إحدى بلاد الشام قامت بتجريب عمل أكلة ما.. وذلك بطبخ الأرز مع العدس!! فبدا شكلها وكأنها فتاة بيضاء مصابة بمرض الجدري، فأطلقت عليها اسم المجدرة!! لكن في لبنان فإنهم يسمون هذا الطعام «المدردرة».
مسامير الرُكب!
أمَّا الحكواتية «دنيس أسعد» من مدينة حيفا الفلسطينية والمتخصصة بالحكايات الشعبية القديمة فقد رَوَت ذات مرة حول » المجدرة» تقول:
في حيفا وتحديداً في حيّها العريق «وادي النسناس» كان حلول يوم الجمعة يوماً مميزاً بسبب رائحة البصل المقلي «المحمّر والمقمّر» التي كانت تغزو نواحي السوق وبسطاته الملوّنة منذ ساعات الصباح الباكر.
ذلك لأن عملية قلي البصل حتى درجة ما قبل احتراقه هي خطوة ضرورية عند تحضير طبخة «المجدّرة»، أو كما كانت تسمّيها أمّي «مسامير الركب»، بسبب احتواء المجدرة على العدس الغني بفيتامينات الحديد، والعدس يُسميه الكثير بِ «لحمة الفقراء».
وفي كلّ يوم جمعة، يدرج عند أغلبية مسيحيي البلاد، الامتناع عن أكل اللحوم ومنتجات الحيوان من الألبان والأجبان والبيض وما شابه.. وذلك اعتباراً لآلام المسيح الذي صُلب في يوم الجمعة العظيم.. وهذا مما جعل المجدرة هذه الطبخة التقليدية الخالية من اللحم، طبخة مثالية ليوم الجمعة عندهم.
وعلى الرغم من التغيرات الكثيرة التي حصلت في حيفا، وفي وادي النسناس من الاحتلال لتغيير وجه المدينة، إلا انَّ طبخة المجدّرة ما تزال طبخة الفقراء، وما زال عبق بصلها المقليّ يفوح في أنحاء الوادي كلّ يوم جمعة.
أنواع المجدرة
وتقول دنيس: ان مقادير طبخة المجدّرة واحدة في أنحاء الوطن، وهي تشمل البصل البلدي المقلي بزيت الزيتون، والعدس البلدي الصحيح، وقليلاً من الملح والأرز أو البرغل–وهذا يتعلّق بوجود أقارب من الفلاحين ليزودوك بالبرغل البلدي–وبالطبع الماء لغلي كل هذه المقادير، لكنه يستحيل أن تتكرّر نكهة المجدّرة، فلكلّ امرأة مجدّرتها، فتلك تغلي البصل مع العدس، وأخرى تترك البصل مقلياً ناشفاً وتضيفه في النهاية إلى الطبق.. وهناك المجدّرة البيضاء التي يغلب عليها الأرز.
وهناك المجدّرة الحمراء التي يتمّ فيها تحمير البصل حتى يصبح بنّي اللون.. ولكلّ فتاة وامرأة حكاية مع المجدّرة، أو ربما حكايات.
وحكايتي قد تشبه حكايات نساء كثيرات.. فلكي أثبت مهاراتي في الطبخ، أعددت لمن أصبح زوجي وشريك حياتي، في أوّل زياراته لنا طبق مجدّرة.. وقد أعجبه الطبق، ووجدني ملكة الطبخ، فالحبّ أعمى!! وقد أعماه عن الفشل الذي مُنيت به طبختي!.
والحقّ أنّ ما حضَّرته هو شيء مجهول المعالم!! لا يشبه المجدّرة المألوفة أبداً.. وقد أخبرني لاحقاً أنه أقنع نفسه بأنّي أعددت المجدرة البيضاء بالأرز، وهو معتاد عليها بالبرغل، ولذلك اختلف شكلها وطعمها.
وقد كان من حظّي أنه حين اكتشف أني لست ملكة في الطبخ، وأنّ مجدّرتي مخبّصة لم يتركني!.
وحتى أيامنا هذه، كلما أعدّ طبخة مجدّرة، يذكّرني بذلك اليوم، ويقول مازحاً: «عرفت كيف تضحكين عليَّ بصحن مجدّرة مخبّص».. وأنا أردّ عليه: «هذا قدرك! أن تحبّ امرأة لا تجيد صنع المجدّرة».
فوائد العدس
هذا ويُعتبر العدس من أغنى البقوليات من حيث العناصر الغذائية، اذ يعادل اللحم في قيمته الغذائية بل يفوقه في بعض النواحي.
فهو يحتوي على ماء وبروتين وكربوهيدرات ونسبة قليلة من الدهون غير المضرة، مثل تلك التي توجد في اللحوم، فضلاً عن نسبة عالية من الحديد المفيد لعلاج فقر الدم، والكالسيوم والفسفور وفيتامين «أ» المفيد لصحة الجلد والعيون والعظام، وفيتامينات أخرى.
اضافة الى البوتاسيوم والماغنيسيوم والنحاس والفسفور والكبريت والكلور والألياف، التي يحتاج اليها الجسم ليستمد منها قوته، ولتنظيم امتصاص الأمعاء للسكريات في الوقت ذاته.
هذا عدا أن العدس غذاء سهل الهضم وسريع الامتصاص، ويساهم في توازن معدل السكر في الدم، مما قد يُغني بعض مرضى السكري عن تناول الأنسولين، الذي يحتاجونه لنقل الغذاء إلى الأنسجة، وقد استخدمه القدماء في الطب وقالوا عنه: قشرهُ شافٍ.
كما أظهرت الدراسات أن تناول العدس أربع مرات في الأسبوع كغذاء بديل من اللحوم يساهم في خفض معدل الكوليسترول ويحمي القلب ويقلل خطر تعرض الجسم للأزمات والمشكلات الصحية الخطيرة.. كداء السكري وارتفاع ضغط الدم.. علما أن هذا النوع من البقوليات لا يناسب المصابين بأمراض المعدة والكبد والكلى والمرارة والراغبين في تخفيف الوزن.
فوائد البرغل
أما عن البرغل أحد أنواع الحبوب التي تُحسب ضمن مجموعة الكربوهيدرات المعقدة، فالرغل مصدر ممتاز للألياف والمعادن.
والبرغل في الأساس هو جريش القمح المجفف بعد سلقه وطحنه وتنخيله، واشتهر منذ القدم لدى المصريين القدماء بشكل خاص، ويعد ذا فوائد وقيم غذائية عالية، ويُستخدم في العديد من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط كبديل للأرز.
ويوجد للبرغل ثلاثة أنواع رئيسية هي:
البرغل الناعم الذي يستخدم في الكبة والتبولة.
البرغل المتوسط الذي يدخل في انتاج الحبوب.
البرغل الخشن الذي يستخدم كبديل للأرز كما في المجدرة.
وتبعاً للقيم الغذائية العالية والمميزة للبرغل فهو يعد ذا فوائد عديدة لجسم الإنسان، فقد يدخل في الحميات الغذائية الخاصة بتنزيل الوزن.
وقد وُجد أن له دوراً في الوقاية من سرطانات الجهاز الهضمي وسرطان القولون بشكل خاص.. وفي تعزيز صحة مريض السكري.. وله قدرة على تخفيض كل من كولسترول ودهون الجسم.