اليوم ذكرى وفاة الحسين بن طلال، الذي أُسدلت الستارة على سنوات عمره قبل إحدى وعشرين سنة من الآن دون أن تُسدل على عطائه ومنجزاته وقصة كفاحه وتضحياته من أجل بناء المملكة الأردنية الهاشمية على قواعد متينة راسخة من الوحدة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، هذا إلى جانب النهضة التي عمت أرجاء الوطن إذ لم يبق الحسين جانباً ولم يذر إلا وكان نصب عينيه أن يرفع من شأنه وقدره تعليماً وصحة وثقافة وفنّاً ورياضة وسواها.
كلُّ ذلك وأكثر مما لا يتسع المقام لذكره، كان وسط تحديات بقيت ماثلة أمام الحسين الذي لم تخل سنوات حكمه السبع والأربعون منها ولعل أهمها موقع المملكة الجغرافي بوادٍ غير ذي نفط وموارد وإمكانات ناهيك عن التحديات الإقليمية والدولية التي كان لها تبعات كبيرة ألقت بظلالها على الأردن من حروب ونزاعات وصراع عربي إسرائيلي مطبق، لكن الحسين وسط هذا الخضم المتلاطم بقي ثابتاً لم يتغير ولم يتراجع ولم يلتفت للخلف وظل مؤمناً أن لأردن الشرف والأسرة الواحدة، وأردن المبدأ القويم والمثل العليا في معركة بقاء الأمة ومستقبلها دوره ومسؤوليته، وفي ذلك يقول رحمه الله» «الأردن المعتز بأمته، سيواصل العمل على طريق استعادة التضامن العربي ودعمه وتعزيزه، باعتباره صيغة عملية تعيد للعمل العربي مصداقيته وجديته، وتمكنه من توظيف سائر موارده ومقومات قوته التوظيف الأمثل في خدمة أهداف امتنا وقضاياها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية».
اليوم تستوقفنا ذكرى الحسين الذي ما زالت روحه تعلق أطيافها بأرواحنا، وعشق الأرض وذراتها، فنستذكر قائداً ناظر بعمق، وفكرّ بروية، قائداً بنّاء ومعطاءً، بذل وعمل واجتهد ليكون معلماً ومرشداً للأجيال وليقول لهم أن الحياة ليست بقدر السنوات التي يعيشها الإنسان وإنما بقدر الأثر الذي يتركه من بعده، ليجعل روحه ونسمات عبقه باقية يتنسم الأبناء من بعده والأحفاد والأصدقاء طيب أفعال وجرأة مواقفه، وعمق رؤيته، وتلكم هي صفات اجتمعت في الراحل الكبير، وتلك هي مناقب تلفع بها طيلة سنوات حكمه وخدمته الطويلة للوطن والأمة على حد سواء.
رحل الحسين لكنه ما زال أكثر حضوراً فينا، وهو الآن بين يدي ربه لا ينتظر منا مديحاً ولا إطراءً ولا ثناءً لكننا ما زلنا نحبّه وما زلنا نسمع صدى صوته العروبي، ونردد ونقول فيه «يا طيب القسمات يا شيخ الحمى إنا نحبك قائداً ومعلماً وأباً وأغنية وراية وحكاية تتلو حكاية» وهكذا كان وتواصلت قصة البناء على يد الملك المعزز عبد الله الثاني الذي نذره الحسين لأمته ولشعبه ودينه، ولم يخب الظن والرجاء وها نحن نطالع فيه الحنكة والذكاء في كل صباح منذ تسلم الراية ولنا في مواقفه المشرفة من القدس وفلسطين ودفاعه عن ديننا الحنيف ووسطيته واعتداله خير أدلة.
رحم الله الحسين وعاش أبو الحسين قائداً عربياً هاشمياً مقداماً.