عمان - محمد جميل خضر
دورة برامجية جديدة أطلقتها إدارة التلفزيون الأردني، إذ حرصت الإدارة أن تنطلق الدورة الجديدة متزامنة مع عيد ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني، وأن تتزامن، إلى ذلك، مع تزيّن شاشتها واستدويو رقم واحد فيها بحلّة جديدة، الأزرق الكونيّ لونها، وتصاعد جودة التقنيات هاجسها.
منذ عبارة «إنه لمن دواعي سروري وغبطتي» التي أطلقها جلالة الملك الباني بتاريخ 27 نيسان 1968، وصولاً إلى مطالع العام 2020، حقق التلفزيون الأردني خلال مسيرة متواصلة عمرها 52 عاماً، نقلات نوعية في المبنى والمعنى، مواصلاً في المقام الأول، لعبه دور المؤسسة الإعلامية الوطنية المحققة رؤية بناة الوطن وأبنائه وتطلعات إداراته وبقية مؤسساته.
رؤية ساعية إلى تقديم إعلام وطنيٍّ هادف، يكرس حرية التعبير والرأي، ضمن أجواء قائمة على الاستقلالية والحرية المسؤولة، والتعبير عن الوطن بمختلف فئاته وأطيافه، وعكس إرادته وتطلعاته، إضافة إلى ممارسة الأداء الإعلامي بصورة تستند إلى الاحتراف المهني والتميز والمسؤولية.
هكذا ينظِّر التلفزيون الأردني حول رؤيته، فما هي المسافة بين التنظير وبين تحقيق تلك الرؤية من خلال برامجه وتقاريره وسويته التقنية والمضمونية على حد سواء؟
مما لا شك فيه أن الحكم الحاسم في سياق الإجابة عن هذا السؤال هو جمهور شاشتنا الوطنية، ومشاهدينها في الريف والحضر والبوادي. وهؤلاء بمجموعهم هم معظم أبناء الوطن، وبحسب إحصائيات قديمة وحديثة، فإن التلفزيون الأردني ما يزال في طليعة الفضائيات الأردنية التي تحظى بأعلى نسبة متابعة.
وبغض النظر عن دقة هذه الاستطلاعات أو عدم دقتها، فمما لا شك فيه أن تلفزيوننا الوطني ما يزال هو الخيار الأول لأبناء الوطن ممن يعملون في القطاعات العامة، وممن يخدم أبناؤهم في الجيش والأجهزة الأمنية وعموم الدوائر الرسمية من وزارات ومؤسسات وإدارات خدمات.
ومع ازدياد التنافس، بسبب ظهور فضائيات أردنية عديدة، بعد أن كان التلفزيون الأردني هو المنبر المتاح الوحيد، إضافة إلى التنافس المتعلق بدخول فضائيات العالم كله إلى كل بيت، فإن حس المسؤولية لا بد أن ترتفع مؤشراته عند إدارة التلفزيون والعاملين فيه، وهو ما يلمسه المتابعون في كثير من البرامج والثوابت، وما تشدّ إدارة التلفزيون، من أجل تحقيقه، على الركايب.
ومع رغبة إدارة التلفزيون إحداث نقلة في كل دورة برامجية جديدة، فإن عدداً من البرامج حافظت على وجودها ثابتة راسخة لا تقترب منها رياح التغيير ولا فرص التنويع والتجديد والتبديل. بعض هذه البرامج تستحق هذا الثبات، وبعضها الآخر يحتاج الأمر حولها إلى نقاش معمَّقٍ نابعٍ أساساً من الحرص المشترك ومن الحب؛ حب مواطنينا لشاشتهم الوطنية، ورغبتهم أن تظل في الطليعة.
البرامج الدينية تأخذ مساحة واسعة من جدول الدورة الجديدة: «فاسألوا أهل الذكر»، «المفتي»، «وأحسنوا» إضافة لبرنامج دينيّ وثائقيّ محليّ يعرض في السادسة و45 دقيقة من صبيحة كل يوم، بعد تلاوة عطرة من آي الذكر الحكيم.
للبرامج والمسلسلات الكوميدية أيضاً مساحتها في الدورة البرامجية الجديدة: مسلسل مصري كوميدي، برنامج كوميدي يحمل اسم «المحطة الأولى».
لفتة مهمة تتصدى لها الدورة الجديدة، تتجلى باحتوائها على عديد البرامج والفترات المباشرة، فإضافة للفترات الإخبارية المباشرة، وكذلك برنامجيّ «يوم جديد» و«يسعد صباحك» المباشريْن كليهما، فهناك برامج مباشرة من مثل: «عين على القدس»، «شبابيك»، «هذا المساء»، «مال وأعمال» والبرنامج الديني «وأحسنوا» وبرنامج أطفال مباشر يعرض في الرابعة من مسائي كل ثلاثاء وسبت.
للقدس كما هي عادة شاشتنا الوطنية، مساحة نديّة من خلال مسلسل «بوابة القدس/ الطريق إلى باب الواد» الذي يعيد التلفزيون الأردني عرضه، بعدما عرضه أول مرّة في العام 2011، إنتاج الشركة العربية للإنتاج الفني إخراج السوري رضوان شاهين عن نص لرياض سيف، وبطولة عدد من النجوم الأردنيين والفلسطينيين والعرب ومشاركة ممثليْن بريطانيين. المؤثر في المسلسل وجود عدد من النجوم الذين ترجلوا في الأعوام الماضية، مثل الفنان ياسر المصري والفنان نبيل المشيني والفنان عثمان الشمايلة وغيرهم. كما تحظى القدس بمساحة أخرى من خلال البرنامج ال?باشر «عين على القدس» الذي يعرض في العاشرة من مساء كل يوم إثنين، ويعاد عرضه في الرابعة من فجر كل الثلاثاء.
برنامج جديد، يحمل عنوان «عمران» يبدو أن وجهته ستذهب نحو جمال العمارة، وعراقة بعض بيوتات عمّان وما حولها، ومن خلال المادة التشويقية الخاصة به، يحمل البرنامج قيمة ثقافية باستضافته لشعراء وتشكيليين ومبدعين من مختلف أقانيم الإبداع الإنسانيّ الخلاق.
وبإطلالة سريعة على جدول الدورة البرامجية الجديدة، فثمة حزمة من البرامج، بعضها متواصل من الدورة السابقة وبعضها ينطلق مع الدورة الجديدة: «الملف صفر»، «ما أحلى الدار»، برنامج jo، «في الميدان»، «خطوط عريضة» وبرنامج «أنت».
على صعيد متصل تحافظ برامج عديدة على مكانها ومكانتها: «يسعد صباحك» المتواصل عرضه صبيحة كل يوم جمعة، يبلغ اليوم زهاء ثلاثين عاماً من عمره المديد، حيث تورد بعض مواقع الإنترنت تاريخاً غير دقيق لبدء بث البرنامج، ذاهبة إلى أنه بدأ عام 1994 مع المذيعة منتهى الرمحي، والصحيح أنه بدأ قبل ذلك مع المخرجة الراحلة فكتوريا عميش (1944-2006) ومع المذيعة المخضرمة جمان مجلي عقيلة الإعلامي المخضرم عدنان الزعبي. ومجلي هي صاحبة مقولة «الإعلام قضية حياة» خلال مقابلة أجرتها معها الإعلامية لانا القسوس في واحدة من حلقات البرنامج ال?خضرم. وعلى سيرة لانا القسوس، فإنها وهي تودع برنامج «يسعد صباحك»، تكون قد طوت 15 عاماً من انغماسها في مختلف تفاصيل البرنامج. باكية ودّعت لانا برنامجها/ برنامجنا الأثير، كيف لا تفعل و«يسعد صباحك» دخل كل بيت من شمال الأردن نحو جنوبه، ومن شرقه وصولاً إلى أقاصي غربه، قاطعاً جسر العودة، حيث يحظى البرنامج بمتابعة فلسطينية لافتة.
من البرنامج الثابتة التي يبدو أن أفكار التغيير والتطوير لا تطالها أو هي محصنة ضدها: برنامج «يوم جديد» الذي طوّر بعض تفاصيله، محافظاً على عناوينه العريضة، ولعل من أهم ما حققه البرنامج الذي يتناوب على تقديمه جمهرة من مذيعات التلفزيون وحالياً مذيعيه، هو إلقاؤه الضوء على الريادة وعلى الرياديين. برنامج «الأردن هذا المساء» من البرامج التي تصر على إيقاعها، خصوصاً طريقة تقديم الزميل حازم رحاحلة، وثبوتية الزميل مأمون مساد. والمأمون بالمأمون يذكر، فإن الزميل مأمون شنيكات استفاد من الروح الإخراجية الجديدة التي زارت ب?نامجه من خلال استضافة جهات مختلفة وأحياناً متعارضة الأهداف من منطقة بعينها ومن محافظة من محافظات الوطن، وجعلهم يعصفون ذهنهم جميعهم على اختلاف رؤاهم وتباين مصالحهم، بحثاً عن نقاط تلاقي وقواسم مشتركة عظمى، يمكن أن يصنعوا عندها فارقاً لصالح مناطقهم ومحافظتهم وميادين جهدهم وكدّهم.
الأخبار مساحة جلية ومهمة وأساسية يتحرك تلفزيوننا الأردني في فضائها وتفاصيلها وتقاريرها، راكباً بساط ريح المبحة، منتقلاً من محافظة إلى أخرى، ويسجل له أنه، ربما، أكثر تلفزيون وطني يمنح أخبار بلده المحلية مساحة وغوصاً في التفاصيل، من ثغر الأردن وحتى عروس الشمال، ماراً بالوادي الأخضر، قاطعاً الفيافي والرمل والمفارز. ما يؤخذ على هذه التقارير، إصرارها على تحريك مؤشر الخبر وفق زاوية واحدة، رغم ما يرد في رؤية التلفزيون من حديث عن حرية التعبير: «تقديم إعلام وطنيٍّ هادف، يكرس حرية التعبير والرأي، ضمن أجواء قائمة على?الاستقلالية والحرية المسؤولة». فلندعها تعمل إذاً، ولندعها تمر.
الشارات الترويجية والتشويقات المرئية المسموعة والمواد الفيلمية القصيرة (بروموشن) تعاني من غياب اللمّاحية والواقعية. وأود هنا أن أتساءل بإلحاح عن الفكرة الثاوية خلف وضع بلورات لونية تشبه ندف الثلج على مدى عرض الفقرة الجمالية الخاصة بجبل اللويبدة، فهي تبدو، بصراحة متناهية، كما لو أنها مؤثر طفولي بلا طائل.
ثمة مادة ترويجية ثانية تتوالى مشاهدها، فإذا بشاب يحمل محفظة عابر سبيل ويعيدها إليه بآلية تفتقد إلى التأثير الدرامي والصراع المنطقي داخل خفايا نفوسنا ومجاهيل وجهاتنا ورغباتنا وأحلامنا وتأثير الواقع الضاغط على مجمل حضورنا في الحياة.
سوف يحب الناس وطنهم أكثر، كلما راهن الإعلام على ذكائهم، ووضع اعتباراً للحس النقدي الذي بدأ يتنامى داخل وجدانهم منذ انتشار مواقع التواصل الاجتماعي.
على صعيد رسالة التلفزيون الأردني، فإن إدارته الحالية، والحق يقال، تحقق معظم ما يرد فيها بدقة وإخلاص: «الترويج للقيم الأردنية المتمثلة في التسامح والاعتدال والتعددية والمحافظة على الهوية الأردنية، من خلال تسليط الضوء على الموروث الشعبي، وضروروة منح الأبعاد المحلية أفقاً أوسع واهتماما أكبر، من خلال التوسع في متابعة الخبر والأحداث المحلية»، فلا أحد بإمكانه أن يجاري سعة متابعة كاميرات موزعة على أغلب المحافظات، تحرص إدارة التلفزيون الأردني أن تظل جاهزة عند الطلب، وأن يظل عَدُّ مخرجيها ومصوريها قريباً من لحظة (ا?كْيو) التي تضاء بعدها شبكات البث بتقارير عن العقبة ومينائها، وعن المبادرات وكسوات شتائها، وعن البلاد وأهل البلاد وهم يسعون في مناكبها.
دورة برامجية جديدة للتلفزيون الأردني بحلّة زرقاء
12:00 2-2-2020
آخر تعديل :
الأحد