قلنا فيما مضى إن جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ينوب عن الأمة العربية والإسلامية في تبني الدفاع عن قضاياها المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وهذا الكلام ليس اجتراحاً ولا افتعالاً ولا تكلفاً إنما هو انعكاس لواقع الحال الذي كرّسه جلالته في المشهدين العربي والإقليمي والدولي منذ تسلم سلطاته الدستورية ليواصل الدور المحوري للأردن في معركة بقاء الأمة والحفاظ على وجودها ودحر المتربصين بها دون اعتبار للثمن الذي يترتب على ذلك باعتبار أن الأمانة التي استودعتها شرعية القيادة الهاشمية في عنق الملك قد وضعته في مكانة لا ينالها أي زعيم وبالتالي فإن المطلوب منه كذلك ليس كالمطلوب ممن هم سواه.
مواقف جلالة الملك الصريحة والواضحة فيما له ارتباط بما يسمى بصفقة القرن ورفضه المطلق لها وعدم قبوله كملك هاشمي بأي حل للقضية المركزية الأولى للأردن وهي القضية الفلسطينية دون منح الفلسطينيين كامل حقوقهم المشروعة وعلى رأسها إقامة دولتهم المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس، وتمسك جلالته بحل الدولتين كحل تقبل به جميع اطراف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وغير ذلك قد ألهب نزعة الحقد والبغض التي لم يعرف الإسرائيليون لهم ديدنا غيرها وبدا ذلك ظاهراً في تصريحاتهم وتلميحاتهم في مختلف وسائل إعلامهم التي تستهدف النيل من الأردن وشخص جلالة الملك وهم لم ولن يكفّوا عن محاولاتهم البائدة لاختراق الصف الأردني المتماسك الذي يزداد متانة وصلابة كلما ادلهم الخطب به ليثبت أنه الوطن العصي على الفتن ما ظهر منها وما بطن.
الأردن ورغم كل الظروف الصعبة، والتحديات التي يواجهها وفرضتها عليه تطورات الأحداث في المنطقة العربية، بإمكانياته وموارده المحدودة، فقد ظل بعزيمة وقيادة جلالة الملك وصدق محبة وانتماء الأردنيين، شامخا مرفوع الرأس فخوراً بما حقق وأنجز أبناؤه، وحريصا على الوفاء بالتزاماته، نحو أمته وأشقائه العرب، حتى لو تحمّل في سبيل ذلك ما هو فوق طاقاته وإمكانياته، وهو ما تؤكده اليوم وتبرهن عليه شجاعة الملك وتمسكه بمبادئه غير آبهة بالثمن مهما كان طالما تعلق الأمر بمصير قضية هي أقرب من سواد عين الملك إلى بياضها وهي فلسطين والقدس بلا منازع.
عندما يتخذ الملك موقفاً ويقرر شأناً، لا يلتفت إلى الوراء بل هو يضع مصلحة الأمة العليا فوق أي اعتبار، وحتى يواصل جلالته مقارعة قوى العدوان وحتى يستطيع رد العاديات عن وطننا وحياض أمتنا، فإننا مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى أن نكون على مستوى الأحداث والتحديات وإظهار المزيد من الوحدة والتماسك والسير وعدم السماح لكائن من كان أن يبثّ سمومه وشائعاته التي تستقصد إضعافنا وتفرقنا، فلا سبيل لنا للحفاظ على أمن بلدنا واستقرارنا إلا بوحدة كلمتنا ونصرة قائدنا، والسير خلفه واثقين بمقدرته على اجتياز هذه المرحلة التي لن تكون الأخيرة التي تفرض تحديات جساماً جرّاء تمسك المملكة بمواقفها التي لا تحيد عنها.