الرأي الثقافي

موسوعة (الفلاحة الأندلسية)

نتفق جميعاً على أن أجدادنا الأوائل رفدوا الثقافة العربية والإنسانية بثمرات عقولهم وتركوا لنا إرثاً ثقافياً كبيراً وكنوزاً كريمة في أبواب المعرفة المختلفة؛ إذ اشتغلوا في الطب والهندسة والبصريات والرياضيات وعلوم البحار وعلوم الأرض والفلك وعلوم الحيوان والنبات والفلسفة وعلم العمران والاجتماع وعلم اللغة ونحو ذلك من العلوم التي نجد مخطوطاتها المحققة وغير المحققة في المكتبات العربية والعالمية، لتشهد على أن أمتنا العربية الإسلامية أمة حية، وأسهمت في بناء الحياة الإنسانية بما لا يدع مجالاً للطاعنين والمهاجمين في كيل التهم الباطلة لهذه الأمة بأنها متكاسلة ولا تملك عقلاً ولم تصنع حضارة.

وتقدّم موسوعة «الفلاحة الأندلسية» دليلاً قاطعاً على عظمة أمتنا ونباهة علمائها الأجلاء من قديم وحديث، فقد أحسن مجمع اللغة العربية الأردني صنعاً حين توجّه ناحية التراث الثقافي ليختار منه هذه الموسوعة لأبي زكريا يحيي بن محمد بن أحمد بن العوّام الإشبيلي المتوفى في عام 1184م، وتكليف د.سمير الدروبي ود.علي المحاسنة ود.أنور أبو سويلم للقيام بأعباء هذه العمل الكبير، وحين تيسرت ظروف العمل للمحققين أُنجز العمل وفق ما كان المجمع يطمح إليه وتمت طباعة الموسوعة ونشرها سنة 2012.

وتقع الموسوعة في سبعة أجزاء موزعة ومرتبة على أبواب وفصول وفق المنهج الذي اعتمده المؤلف.

وأقام الدروبي دراسة علمية قيمة على هذه الموسوعة، ويقول مُعرِّفاً الفلاحة: «الفلاحة في لغة العرب: الزراعة، ولفظتها مشتقة من الفَلَح وهو البقاء في الخير.. ويبدو أن لفظة الفلاحة كانت مستخدمة في لغة العرب قبل الإسلام، وبقي استعمالها مطّرداً في المصادر العربيةحتى عصرنا».

وأشار إلى الجهود المبذولة في مجال دراسة الفلاحة في العالم وعند العرب في المشرق والمغرب، وذكر أهم المدارس المعنية في الفلاحة منذ القرن التاسع الميلادي مثل مدرسة بغداد ويمثلها حنين بن اسحق والجاحظ وأبو حنيفة الدنيوري وابن وحشة، والمدرسة الشامية المصرية ويمثلها ابن مماتي وابن فضل الله العمري والنويري الغزي والنابلسي، والمدرسة اليمنية، والمدرسة الأندلسية ويمثلها ابن وافد الطليطلي وابن بصال وابن حجاج الإشبيلي وابن العوام الإشبيلي وغيرهم.

في هذه الموسوعة العلمية الجليلة اتبع ابن العوّام منهجاً علمياً صارماً قام على التجربة المبنية على الرصد والملاحظة وبناء النتائج وتسجيلها، فاستبعد من منهجه كل شيء له علاقة بالخزعبلات العامية ولطلاسم السحرية التي اختلطت بأمور الفلاحة عند النبط واليونان.

وقسم المحققون الموسوعة إلى قسمين، تضمن الأول دراسة موسعة للموسوعة وُزعت على ستة فصول تضمنت دلالة لفظة الفلاحة اللغوية والاصطلاحية في المعاجم اللغوية وكتب تصنيف العلوم عند العرب وكتب الفلاحة، وتضمنت حياة المؤلف ابن العوام ومؤلفاته، ومصادر الكتاب، وأهمية هذه الموسوعة وقيمتها العلمية، ونشرات الموسوعة وترجماته، ونسخها الخطية ومنهجية العمل في التحقيق.

وتضمن القسم الثاني النص المحقق اعتماداً على نسخة باريس، ونسخة المتحف البريطاني، ونشرة المستشرق بانكويري التي تُرجمت إلى الإسبانية عام 1802م.

وبعد الفراغ من التحقيق صنع المحققون فهارس فنية واسعة للموسوعة تضمنت تضمن أسماء النبات والحيوان والأمراض والترب والأدوات والمصطلحات ونحو ذلك.

وتقاسم المحققون إنجاز الموسوعة، بحيث تولى الدروبي كتابة المقدمة والدراسة والفهارس الفنية وثبت المصدر والمراجع، وتولى أبو سويلم تحقيق المجلد الأول (الأجزاء الأول والثاني والثالث)، وتولى المحاسنة تحقيق المجلد الثاني (الأجزاء الرابع والخامس والسادس).

ومن المفيد أن نذكر طرفاً من مقدمة ابن العوام، إذ يقول: «فإني لما قرأت كتب فلاحة المسلمين الأندلسيين، وكتب غيرهم من القدماء المقدمين في صنعة فلاحة الأرضين المضَمَّنة كيفية العمل في الزراعة والغراسة، ولواحق ذلك، وما يتعلق به من كتبهم في فلاحة الحيوان، وما وصل إلي منها، وقفت على ما نصّوه فيها، فنقلت من عيونها إلى هذا التأليف».

هذه الموسوعة من الغِراس الطيبة في المكتبة العربية، فقد أضافت ضوءاً كاشفاً مسلطاً على المنجزات الفكرية والنِتاج الثقافي لأمتنا التي تكالب على التقليل من شأنها الحضاري الكثيرون من أبناء جلدتها فضلاً عن السهام السامة لأعدائها.. وهي جهد كبير مبذول من مجمع اللغة العربية والمحققين الأعلام.