ورحل الزعيم العربي السلطان قابوس بن سعيد بعد صراع مع المرض، وحال أمتنا العربية والإسلامية يبكيه ويؤسفه، رحل بوقت نحن كأمة عربية بحاجة ماسة لحنكته وصواب رأيه، فتاريخه القيادي المشرف كحاكم للسلطنة الشقيقة يمثل ميزان الاعتدال والوسطية والتواضع، فحقائق التاريخ نقشت بجداريته تمتعه بشخصية حاكمة فريدة، لتكمن الحيرة في تحديد نقاط البدء والنهاية، فسرد المنجزات يحتاج لمجلدات؛ منجزات الداخل العُماني ومنجزات العالم العربي، فتلك يجسدها رجال لهم وقع وخطى لأنها متداخلة لحد التكامل، ومتشابكة كلوحة نقشها الفعل والعمل وترجمها الواقع، في بناء معماري مبهر ملحف بأسرار، يثير الرغبة، في إعادة اكتشافه كل لحظة، وإنجازات السلطان الراحل الماثلة بالتأثير، تفتح على الدوام فضاءات جديدة للإبداع والعطاء ما يأسر الروح، ويبقي صاحبها في حالة توق دائم، للاقتراب من التجربة إلى حد التماهي معها.
رحل الزعيم العربي وترك في قلوب الأردنيين لوعة وحسرة لأنه الأقرب الينا؛ الشقيق والحريص والداعم المقدر لدورنا الحيوي في قضايا أمتنا التي نتقاسم همومها بسبب التماثل والتطابق في القدر والأدوار؛ الأسرة الحاكمة التي تمثل صوت الاعتدال والحِكمة، الوقوف على مسافة واحدة من الأشقاء في العروبة بالرغم من الانقسامات والتحديات التي تعصف بتاريخنا وحاضرنا، مليكنا المفدى عبدالله أطال الله بعمره وجلالة السلطان رحمه الله بقيادة يفيض منها الود الذي يقف على أرض صلبة وشعب يلتف حوله ويفديه لأن عيونه تتطلع للمستقبل وتتوق للسلام وتوفير الحياة الكريمة للشعوب، فأولى خطوات الحكمة تسجيل الدرجة الكاملة في الإدارة الداخلية الناجحة التي تترجم درجة الرضى للشعب، تمهيداً لتوسع مجالات الرؤية الخارجية التي تترك لأصحابها المجال الأوسع، للقراءات الواضحة للأحداث، وآليات التطور، التي تحدد معالم المستقبل، بعيداً عن شجون العصبية والتسرع، فواقع العقلانية بالقيادة يسمح باستنباط دلالات المستقبل لرسم سياسة حكيمة تضمن التغذية للرؤية بعيداً عن التشنج أو الاصطفاف خلف القوى المتميزة بالأنانية على حساب الشعوب.
هناك جدل واجتهاد لتفسير أسباب الثقة المطلقة التي يمنحها الشعب لقادتهم كما هو الحال في الأردن وسلطنة عُمان الشقيقة كمقدمة لتفسير موضوع العلاقة بين السلطة والشعب، بين الزعيم وأبناء وطنه، بين القائد ورعيته، وأجزم القول بما ذكرت مرارا بقناعاتي الراسخة التي برهنها واقعنا أن القائد الحقيقي هو الذي يصنع الشعب، وليس العكس، فتاريخ الزعماء عبر الزمن والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة التي لا ينكرها من يبحث عن التميز ويريد الافادة من التاريخ، فالفكرة صناعة القيادة، وتتلقفها آذان أفراد الشعب، فإذا كان الزعيم صاحب مشروع قومي أو وطني أو حضاري، فإن الدولة برمتها تتوجه ناحية أحلامه، وصوب أفكاره، وتحت جناحي توجيهاته، ترصف الطريق بعزم وجد لترجمة ذلك لواقع.
الموت حدث ليس مرحبا فيه بأي وقت ولكنه حقيقة لن نستطيع إنكارها أو القفز عن واقعها، وهي غير مناسبة بالتوقيت والمعنى، ولكن رحيل السلطان قابوس المؤسف ترك فراغا على المستوى الوطني والقومي والعربي يصعب تجاوزه أو تعويضه على المدى المنظور، فنحن على ثقة بالأخوة في السلطنة بقدرتهم على إفراز قيادة لمتابعة المسيرة، وقد تتلمذت على مبادئ السلطان بالحكمة والعقل والمنطق، فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لن تموت وعجلة التطور لن تتوقف، ونقل السلطة لجيل جديد مطعم بتجارب الماضي يمثل القمة ببعد الرؤية والبحث عن الاستمرار ضمن الفئة الأولى بالقيادة والعطاء، ونحن ندرك بفخر وأسف ونجتهد القول بأن ملامح الشخصية للسلطان الراحل صاحب التجربة العمانية الموغلة في الاصالة والعصرنة؛ فالهدوء والحرص على الاستماع للمحدث لا يحتاج الى جهد ذهني ليدرك على الفور انه امام قائد متفرد في خصاله الحميدة، فالمتابع والمحلل يدرك مثالية التفكير الهادىء، الدلالة بالحكمة والأدب الجم؛ وسامان يعينان صاحبهما على اتخاذ القرارات الصائبة، ويتيحان لغة مشتركة، قوامها الشعور بمهابة اللحظة، والثقة المتبادلة بين المتحدثين، فرجاحة العقل وحسن التدبير السر الذي لم يعد سرا في التجربة التي تحولت الى أنموذج في الاستقرار والنمو والبنا، والقادرة على وضع أسس المستقبل للجيل القادم حكاما وشعبا، فهو صاحب الرؤية الثاقبة، والرأي السديد، الذي لا يعترف بالمستحيل، وتتضاءل امام نظراته الصعاب.
برحيل السلطان قابوس بكى الأردن أخاً وشقيقاً وزعيماً عربياً فذاً، كان على الدوام يترجم النخوة والأخوة العربية بأنه الداعم الحقيقي بالفعل المؤثر لدعم الصمود الأردني امام التحديات، نذكره بعطائه للمشاريع التنموية التي أنجزت بدعمه، لحرصه على دفء العلاقة بين الشعبين، التي رسخت المبادىء المتبادلة والمبنية على الاحترام المتبادل بعدم التدخل في شؤون الآخر، سيذكره التاريخ عبرة للقادة الذين يبحثون عن تخليدهم بقائمة العظماء، وعزاؤنا أن العظماء لا يرحلون بل ينتقلون لمكان آخر في الفردوس السماوي.. وللحديث بقية.
السلطان قابوس.. العظماء لا يرحلون
11:30 11-1-2020
آخر تعديل :
السبت