رحل الدكتور عميش يوسف عميش، الطبيب، العالم، الأديب، العين، والمؤرخ، أحد أركان الطب في الأردن، ببصمات نُقشت على جدارية الخلود للذين جاهدوا بالبدايات الأولى، فساهموا برصف طريق المجد بشتى الاختصاصات، رحل وهو في قمة العطاء بذاكرة متجددة للتشخيص والعلاج، حيث فقدت الحصن قامة وطنية من أبنائها بعد قصة نجاح توجب استخلاص الدروس والعبر من حيثياتها، انتقل خلالها على سلم التقدم المهني والعلمي بتدرج مستحق لأنه المُجِدُ الذي يريد أن يحجز لذاته مكانة بين العظماء، باعتباره أوائل من حملوا عبء تخصص الجلدية والتناسلية على مستوى الوطن ليصبح هذا الاختصاص اليوم بؤرة الاهتمام بين معشر الأطباء، وأضاف لتاريخه، إبداعاً بميدان مختلف عندما اختطت كلماته لُغة الأدب وأصبح الكاتب المتجدد بلغة الإعتزاز والوطنية، ليجود علينا بثمر آخر من حصاده ونتاجه، حيث شكلت مقالاته عبر جريدة $ إنموذجاً للاحتذاء والتعلم والتحليل.
انسابت دموع «الحصن» الغالية على فقدان أحد أبنائها، تلك المدينة الخضراء الوادعة في سهول الشمال الأردني، التي أهدت للوطن عبر مسيرته كوكبة من رجالات الدولة الأردنية ورموزها، ومنهم من ترك بصمات وإنجازات لن يعتريها صدأ غبار الزمن، لأنها نُقشت ببردى الخلود، ولن تدخل في جحور النسيان لأنها أغدقت بخيراتها على الجميع، وأستاذنا الزميل الطبيب عميش عميش واحد من هؤلاء الذين برزوا وأبدعوا، لإيمانه بقدسية الرسالة الطبية التي تعنى بشفاء الجسد من الأمراض والشكوى، فبصماته على حقل الاختصاص «الجلدية والتناسلية» في الوطن شاهد على صدق الولاء والانتماء للمهنة.
هناك فارق معتبر بعامل العمر بيني وبينه، ولكن هناك تقاطعاً وتماثلاً يجمعنا؛ حب الوطن والعائلة الهاشمية بقيادة عميد آل البيت، ننحدر من مدينة واحدة «الحصن» التي سجل أبناؤها أعلى نسبة تعليمية جامعية على مستوى الوطن، كلانا طبيب متخصص بمجال مختلف عن الآخر وأمضينا القسم الأكبر من مسيرتنا بمؤسستين مختلفتين؛ القوات المسلحة والجامعة الأردنية، كلانا باحث وعالم وقارئ مجتهد ومحلل ثاقب، نكتب على صفحات جريدة $ بانتظام، نختلف بالاجتهاد أحياناً دون خلاف بالود والاحترام والتقدير، تقابلنا مرات عديدة ولكن موضوع النقاش واحد دون عناد أو تعصب، شرفني قبل وفاته بفترة زمنية باتصال للسلام والدردشة المتعلقة بالكتابة والصحافة، وتلطف مشكورا بإهدائي نسخة من كتابه «نشأة العلوم الطبية» وطلبني بوعد للقاء للحديث عن المحتوى بعد القراءة المستفيضة، وما أن انتهيت من القراءة وبينما أمارس بروفة الاستعداد، لأفجع برحيله عن دنيانا، فالموت يخطف الأشخاص دون إذن أو مقدمة، وهو حكمة ربانية، لأن العظماء لا يموتون، بل ينتقلون لفردوس السماء حيث ينظرون الينا بشكل مختلف متلحفين بثوب واقع الدنيا والحياة. لقد أثارت فاجعة رحيله ومفاجأتها غصة في الحلق، وانحساراً لمدد الزمالة الجميلة، وانطفاء لومضة نبل إنساني، وإذا اجتمع في المرء النبل وحب الخير وكرامة النفس والوقوف عند الحق فقد ترك الدنيا وهي أحسن مما وجدها، وفي هذا عزاءنا وأي عزاء وللحديث بقية.