محليات

(التعاليل) نقوش في ذاكرة الزمن الجميل

مجالس السّمر قديماً أو ما كان يطلق عليها (التعليلة) كانت أشبه بمنتديات فكرية وثقافية، تجمع بين دفء المعشر وحسن الجوار واللحمة الوطنية، التي كانت سائدة في المجتمع أيام الزمن الماضي الجميل.

القاسم المشترك بين جميع الأفراد هو البساطة وعدم التكلّف، ذلك أن أغلبية المجتمع آنذاك متساووٍن من حيث مستوى المعيشة والدخل؛ فالجميع بلا استثناء يعمل في الفلاحة وتربية الأغنام في قراهم وتجمعاتهم السكنية.

بيوتهم من الحجارة والطين، سقوفها من جذوع الأشجار، والقصب المغطى بطبقة من التبن المخلوط بالتراب والماء، ترتكز على قناطر حجرية متعددة؛ وكلما زاد عددها فإن ذلك يعني أن الدار مهيأة لعائلة كبيرة، فهي مقسمة من الداخل لحجرات ومساطب تفصل بين القناطر، وكل منها يؤي أسرة من أب وأم.

بيوت تقام في ساحاتها (التعليلة) تضم مجموعة من الأقارب والجيران، يتجاذبون أطراف الحديث في كثير من المسائل، التي تتعلق بمعيشتهم وأساليب الزراعة وتربية الأغنام، أو بناء البيوت والعونة، وقد تمتد لسرد القصص والحكايات؛ وسط صخب وقهقهات تحمل معاني جليلة.

وحين تقام التعاليل في الشتاء، فإن صاحب الدعوة يحرص على إشعال النار في المكان المخصص لها، وسط بيته (الجورة) أو ينصب كانوناً من الحديد، ثم يضع عليها دلال القهوة النحاسية وأباريق الشاي لتقديمها للحضور.

لا تقتصر التعاليل عند شخص بعينه، بل تتمدد للجميع فالاغلبية يقيمونها في بيوتهم كل مساء حسب الدور؛ فقد أعتادوا على تلك المجالس وألفوها منذ عهد أجدادهم، لأنها من حلقة الوصل الوحيدة التي يتعرف فيها الناس على أحوال بعضهم بعضاً.

وكان للمكان هيبة ووقاراً وإحتراماً، فالصغير يوقر الكبير، والجلسة تبدأ حين يعلن صاحب البيت من خلال الترحيب بالحضور، وسكب القهوة لهم؛ بعد ذلك ينطلق النقاش الذي يمتد لساعات طويلة، ثم ينصرف الجلساء لبيوتهم.

ولا تقتصر التعليلة على الرجال وحسب، بل تُقيمها الناس بشكل دوري، فكانت النسوة يتساءلن عند من مجلس القهوة؛ فهي المتنفس الوحيد لتبادل الأحاديث الوديّة، وتداول الأخبار التي تحدث في قراهن.

حين ظهر الراديو أصبح التجمع عند من يملكه، فكان مرتفع الثمن ولا يستطيع أي كان الحصول عليه بسهولة؛ فشكل حينها ثورة في عالم المعرفة والإتصال، فقد كان من يستمع إليه عبر إذاعة عمان، أو (مونتي كارلو) يصاب بالدهشة، فكيف برجل يتحدث من داخل صندوق صغير؟

حتى الصغار كانوا يشاركون في تلك المجالس، ويحسنون الاستماع للروايات التي يسردها الرجال، أو لما يبثه المذياع من أخبار وأغانٍ وطنية وتراثية.

حياة تلك الفئة من المجتمع بسيطة للغاية، فالمأكل والمشرب من صنع أيديهم وما تجود به أراضيهم من خيراتها، وما تدرّه أغنامهم وأبقارهم من لبنها وسمنها ولحمها؛ لكن الشيء الذي يتوافقون عليه هو القناعة والرضا.

الآباء ينظرون إلى الفارق الزمني بين اليوم والأمس، فقد تغيرت الأحوال وتبدّلت حين غزت الحياة المدنية كل البيوت، وانقلبت البيوت الطينية، لشقق إسمنتية صمّاء؛ فلم يعد البيت الواحد يتسع لأكثر من عائلة كما هو في السابق.

أيضاً التكنولوجيا الحديثة، منذ ظهور التلفاز والفيديو ثم الإنترنت، وما رافقها من مواقع للتواصل الاجتماعي، أفقدت اللحمة المجتمعية بريقها وألقها، فلم تعُد الجلسات الجميلة حينذاك تقام اليوم؛ فالحياة المتسارعة جعلت الناس يلهثون وراء مدنيّة صاخبة.

حتى اللقاءات العائلية اليوم أصبحت بلا معنى أو طعم، فالكل منهمك بمتابعة الهواتف الذكية، والتواصل عبر السوشال ميديا؛ ولم يبق من الماضي سوى ذكريات جميلة تعيش في أذهان من عاشها يوماً بحلوها ومرّها!!