رحلة العمر من بيت الشعر إلى سُدّة الحكم، عنوان كتاب مذكرات دولة الدكتور عبد السلام المجالي الذي تفضل بإهدائنا نسخة منه مؤخراً وهو الرجل الذي لا يحتاج كلمات لتضيء عليه، وأحسب أنه شهد مراحل مفصلية من عمر الدولة الأردنية في مراحل ثلاث ابتداءً بعهد الملك المؤسس فالحسين الباني رحمهما الله فعبدالله الثاني المعزز أعزه الله، وجميعها قد أتى عليها بتفصيلاتها وتبيان معالمها بشيء من التفصيل الذي أكاد اجزم أن الأردنيين بحاجة إليه لا سيما في هذا الوقت الذي تكثر فيه التقولات والافتراءات على الوطن ورجالاته ومكتسباته.
في مقدمة ما يمكن أن يشدّ انتباه القارئ، تلك المقدرة الفائقة التي يتمتع بها الدكتور المجالي على استذكار الأحداث التي عاصرها في الأردن طبيباً ووزيراً ورئيساً للوزراء ومواطناً وإنساناً، والتي رغم مرور عقود طويلة عليها إلا أنه قام باسترجاع شريطها وكأنها قد وقعت للتو، الأمر الذي يدفع باتجاه التأكيد على أن الكتابة والتوثيق عن رجال تعاقبوا على أزمنة وقطاعات مختلفة رفدت بمجملها مسيرة الوطن، لا تأتي من قبيل مجاملتهم أو إعلام الناس عنهم في صفحات كتاب أو على صفحات جرائد، وإنما هي كتابة من شأنها أن تحفظ حقبة من تاريخ ?لوطن تلكم هي التي تختزنها ذاكرة الدكتور عبد السلام المجالي المليئة بالشواهد.
في مواطن أو محطات تاريخ الأردن التي يستذكرها المجالي يقف المرء إكباراً وإجلالاً لمواقف الحسين وقوميته الأصيلة التي لم تتزحزح قيد أُنملة رغم ما أُحيك بالوطن من مؤآمرات وافتراءات أُريد بها النيل من الحسين في حقب زمنية بالغة الضراوة، لكنه – أي الحسين – وعلى حد قول المجالي لم يأبه بالثمن ولو كان حياته في سبيل أن يبقى الأردن عنصراً فاعلاً في معادلة بقاء الأمة والدفاع عن قضاياها المصيرية، وهو ما عناه المجالي بقوله» إن الملك منحه الله الصبر، وعندما تتأزم الأمور فإن لديه من الحكمة ما يمكنه أن يواجه أزمات كبيرة، ول? فرضنا أنه قُتل وألقوا ببقايا جسده خارج الحدود، فإن هذه البقايا ستعود إلى عمان، لتلُمّ َ الوطن من جديد».
يعرض الدكتور عبد السلام المجالي لمحطات من حياته والتي هي جزء من محطات وطن بأكمله، وهي شواهد على فعل الإرادة التي تحلى بها الحسين يستذكرها الدكتور المجالي بحقائق مدهشة وكيف كانت رؤية الحسين تصيب في كل مرة وكيف كان يستشرف الغد الأفضل لهذا الوطن، وليس يندرج ذلك بطبيعة الحال على ملف السياسة وحدها إنما ينسحب أيضاً على قطاعات التربية والتعليم والصحة والزراعة والاقتصاد وسواها.
ويتوقف المجالي على رحلة السلام والظروف التي رأى معها الحسين أن معركة السلام لا تقل ضراوة عن معركة الحرب، ويستذكر بتفصيل دقيق الصعوبات التي كان قدر الأردن مواجهتها والوقوف بحزم في كل محاولات التفريق بين الوفدين الأردني والفلسطيني وكيف كان إصرار الحسين على ترجمة إيمانه أن ما بدأناه معاً سننتهي منه معاً.