عمان - جوان الكردي
انتشرت أخيراً العديد من تطبيقات ومنصات ومواقع للتواصل الاجتماعي، استغلها الكثيرون، وخصوصاً من الشباب، لنشر مقتطفات بالفيديو والصور لأنشطتهم الاجتماعية والأسرية اليومية باستخدام هواتفهم الذكية.
ولا شك أن المقصد من هذا النشر هو التفاعل مع الآخرين وإشراكهم في الأفكار والمشاعر إن فرحاً أو حزناً.
وكثير من هذه المنشورات قد تخرج عن إطار نشر القيم الإيجابية إلى حيز الاستعراض أو التباهي أو التقليد الأعمى..
ففقدت البيوت خصوصياتها وأسرارها، فيما كنا، حتى الماضي القريب، نتحفظ على مشاركة تفاصيل حياتنا وأسرارها حتى مع أقرب المقربين..
أما اليوم فأصبحت كل حركة وحتى التنفس يُنشر على جميع مواقع التواصل، يطّلع عليها الناس قد يصل تعداده مئات أو آلافاً لا نعرفهم من قريب أو من بعيد.
وصِرنا في وقت، لا تمتد يد إلى الطعام قبل التقاط صورة ونشرها، وثياب تُشترى لتنال الإعجاب والتعليقات، وخلافات زوجية تُناقَش على الملأ، ومن أراد النوم يكتب «الآن سأنام».
المقارنة مع الآخرين
العشرينية ربى مدالله (ربة بيت)، تقول: لم تعد هنالك خصوصية، ولا نجد مراعاة لمشاعر الآخرين؛ صارت الناس تقارن حياتها بحياة غيرهم ولم تعد تستمتع بالنعم الموجودة لديهم، لا يرون إلا إيجابيات حياة الناس التي تنشر خصوصياتها عبرالمواقع، ويحسدونهم عليها، أو يركزون على الأشياء الناقصة في معيشتهم.
«ومن شر حاسد»
العشرينية فرح الأسمر (خريجة علم اجتماع من الجامعة الأميركية ببيروت وباحثة عن عمل) كانت تشارك كل شيء يحدث معها في حياتها على موقع الفيس بوك، لكنها أصبحت تشعر بالملل واكتشفت أنه ليس الجميع يتمنون لك الخير.. والآن «أنا من أقرر ما أكشف عنه من تفاصيل حياتي وما لا أعرضه».
صراع بين الواقع والخيال
وترى الأربعينية إيليان الصايغ أن هنالك ايجابيات وسلبيات لمواقع التواصل، ولأنها مغتربة، ترغب برؤية عائلتها واصدقائها بصورة أو منشور (بوست) معين، وتشاركهم أفراحهم وأحزانهم.. هذه المشاركة «تشعرني بأنني متواجدة دائما مع عائلتي وأقربائي وصديقاتي».
أما السلبيات، وفق الصايغ،، فتذكر أنّ الناس باتت لا تعرف حدودها وتتعداها، وهذا خطأ كبير؛ لأن مواقع التواصل أصبحت تحمِّل الناس فوق طاقتها؛ فهنالك من تريد أن يكون ابنها أحسن من فلان ابن فلانة، ومن تريد بيتها أحلى من بيت فلانة.. وهذا ينطبق على الرجل والمرأة ومن هنا يبدأ الصراع بين الواقع والخيال.
هوس المواقع
يلاحظ العشريني نبيل أحمد الحمادين (مهندس كهرباء باحث عن عمل) أن أنواعا من الهوس ظهرت ولم تكن موجودة من قبل..
فأصبح مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي ينشئون حياة افتراضية تبدأ من لبس الحذاء إلى خلع الملابس؛ تجد ان معظم السيدات يعددن وجبات الطعام لعائلاتهن وقبل أن تدخل لقمة إلى جوفهم تجد المأدبة معروضة على صفحاتهن.
لها قدسيتها
أما فادي خالد (موظف قطاع خاص) فالأمر بالنسبة له «محسوم»؛ فهو لا يسمح بنشر تفاصيل حياته على مواقع التواصل، «حياتي الخاصة لها قدسيتها.. لا ينبغي أن يطلع على تفاصيلها حتى أقرب الناس.. فالبيوت أسرار».
ويعتقد فادي أن طغيان تعقيدات الحياة وتغوّل وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا واحتلالها مساحات متزايدة «جعلتها تتسلل الى المنطقة الممنوعة على الآخرين».
الانقياد المتسارع
ويُلفِت أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين إلى أن المجتمع الأردني، وبسبب انتشار أدوات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي المعاصر وفي ذروتها تأثيرات «ثقافة الصورة والتفاعل اللحظي»، بات يتأثر بشكل كبير وتبعي وانقياد متسارع لأطروحات وممارسات الغرب المتعولم.
ويفصّل بالقول إن منظومة القيم الجماعية التي كانت سائدة في مجتمعنا قبيل تسعينيات القرن الماضي، أي مع بداية سيادة القطب العالمي الواحد «قد أخذت بالتفكك نحو الفرديات وقيمها الأصغر أوما أسميه بـ«تورم الأنوات» (مفردها أنا)؛ أي «أصبحت الخصوصيات سلطة تقديرية للأفراد عموما».
وبالتالي، والحديث للمحادين، «هم من يحددون ما المسموح نشره أو غير المقبول عمله»..
وزاد في ذلك أن العلاقات القرابية والأسرية «أصيبت بالهشاشة وضعف تأثيرها بين الأفراد».. وما كان يُعتقد أنه معيار جماعي لحدود المسموح فيه والنهي عنه في النشرعبر وسائل التواصل، وانتشار ثقافة الصورة ومشاعية تداول المعلومات قد أسقطت الكثير من الأهمية لما كنا نسميها من قبل أسرارا.
ضعف الضوابط التقليدية
ولا يغفل محادين تراجع قوة الروادع الاجتماعية أو الضوابط التقليدية قبيل تشييد العولمة وتسارع سيطرة التكنولوجيا وقيمها الفردية بالمطلق..
فلم يعُد هناك ما نسميه خصوصيات في ظل تغيرات جوهرية في وعي وسلوكيات الأفراد من الجنسين على ما ينشرونه من موضوعات تبدو سطحية وغير قيّمة..
تفريغ وتجريف
ووفق محادين، فإن الخصوصيات التي يجري نشرها هي عملية «تفريغ/ تجريف فكري وسلوكي وأخلاقي» لأدوار مؤسسات المجتمع المرجعية انطلاقا من الأسرة وصولا إلى المؤسسات الدينية.
عدوى اجتماعية
ويؤشر هنا إلى أن إشهار الكثير من الخصوصيات على الأثير الإلكتروني إنما هي «الاسم الحركي لمنظومة العصر الفردية»..
أي أن «تفكيرنا وسلوكيات مُقلدة من قِبلنا بدرجات متفاوتة، غير أنها حاضرة بقوة وبعناوين واسعة، فاجتاحتنا وكأنها عدوى اجتماعية وتعليمية لمرض نُشر عبر الفضاء الإلكتروني إلى حد باتت فيه مثل هذه المنشورات المدعمة بالصور فاضحة في أحيان كثيرة، وأحيانا أخرى خاوية المحتوى والمضمون.
محدودة على العموميات
من جانبه يرى خبير شبكات التواصل والإعلام الاجتماعي الدكتور رامي الدويري بأن حدود إشراك الناس خصوصياتهم للآخرين يجب أن تكون «محدودة (أو مقصورة) على العموميات.. وعدم نشر تفاصيل الحياة اليومية الخاصة»، فأصبح هنالك خلط بين الحياة الواقعية والافتراضية.
ويعزو الدويري ذلك إلى أن نشر تفاصيل الأشياء الإيجابية عن حياتنا يساعد على زيادة تفاعل الآخرين في صفحاتنا، وهو ما يعززالثقة بالنفس، ويشيع القيم الإيجابية في المجتمع وحتى الشعور بالسعادة..
فـ«كلما زادت التعليقات والإعجابات زادت الثقة بالنفس وبأن المحتوى يعتبر جيدا، فالأشخاص لا تشارك الصور غير الجميلة لعدم وجود تشاركية أكبر».
قوننة الفضاء الإلكتروني
ويبين الدويري أن اعتقاد المستخدمين الخاطئ بأن «لا حدود لهذا الفضاء الافتراضي يسمح لنا بطبيعة الحال بالتعبيرعن أفكار لربما لا يمكن التعبيرعنها في الحياه الواقعية».
ويذكّر بأن المحاسبة موجودة في هذا العالم، والأردن كانت سباقة في وضع قوانين تضبط استخدام وسائل الاعلام الاجتماعي.
فلا يمكن مشاركة أي منشور، بغض النظرعن محتواه، ولا بد من الحرص على ما نكتب أو نعلق أو نشارك، وحتى ذكر أشخاص بطريقة مسيئة يحاسِب عليها القانون.
وهنا ينبه الدويري إلى أن تطبيق الواتساب، وخصوصا المجموعات، تدخل ضمن وسائل الاعلام الاجتماعي؛ فما هو ممنوع على موقع الفيس بوك يُمنع كذلك على مجموعات الواتساب.
ومن الآثار السلبية لانتهاك الخصوصيات «نشر محتوى غير ملائم أحيانا»..
ويشرح بالقول إن: معرفة نمط حياة الأشخاص من خلال منشوراتهم تسهل اختراقهم.
ويلفت إلى أنّ بعض قراصنة الانترنت يتبع سياسة «الهندسة الاجتماعية»؛ وهي «معرفة طبيعة وفكر الأشخاص من خلال منشوراتهم.. وبالتالي اختراق قواعد البيانات الخاصة بهم بسهولة».
ومن الايجابيات نشر الأخبار والأشياء الجيدة التي تساعد على تعزيز التواصل، وفي بعض الحالات تزيد من هرمون السعادة إذا حصل المنشور على تفاعل كبير.
وهذا بنظره «سلاح ذو حدين: ففي حال عدم الوصول إلى هذا التفاعل، قد يقع الأشخاص في حالة اكتئاب».
تعبير عن التناقضات الداخلية
بدوره يشير مستشار الطب النفسي الدكتور عبد الرحمن مزهر، أن من مساوئ وسائل التواصل «عدم وجود الرقابة الكافية وانتشار الإشاعات بقوة وانعدام المسؤولية عند بعض المستخدمين.
ومنها كذلك أنها «تعزل بعض المستخدمين عن عائلاتهم ومجتمعهم الحقيقي والأقرب؛ ما يؤدي إلى صراعات وتناقضات داخلية تنعكس سلبا على صحتهم النفسية وتعمق الخلافات وتضرب قيم المجتمعات بوجود مستخدمين هدفهم بث الخلافات والصراعات في المجتمعات، وفق مزهر.
ويحذر من أن المستخدم يتعامل مع عالم غير حقيقي، وأن كثيرا من الأشخاص في هذا العالم الخيالي «لا يظهرون على حقيقتهم».
«لا تسلّم عقلك للآخرين»
وهو يؤمن بأن التواصل الاجتماعي الحقيقي (الواقعي) أفضل للناس لأن الانسان يتعلم من الآخرين بالتواصل الحسي المباشر، أي «لا تسلّم عقلك للآخرين» عبر العالم الافتراضي.
احفظ خصوصيتك
في المحصلة.. بما أننا نملك هواتف ذكية ولنا حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي فنحن عرضة لأن نكون ضحايا للاختراقات، فهنالك الكثير من البرامج والوسائل التي يمكن من خلالها اختراق كل ذلك..
وهنا لا بد من الحرص على تحصين الخصوصية، والأهم من ذلك: الاهتمام بالمحتوى الذي ننشره.
مواقع التواصل الاجتماعي تنسف خصوصية الأسرة
12:00 21-12-2019
آخر تعديل :
السبت