نشميات الزيت وصبايا الزيتون
11:00 19-12-2019
آخر تعديل :
الخميس
إن تشكل شخصية الأنثى ليس نتاج مكونات بيولوجية وراثية فقط، إنما يضاف إليها مكونات اجتماعية ثقافية، تصبغ المجتمع وكل فرد فيه بسمات وخصائص، ذكرا كان أم أنثى، لكن المرأة تمعن في التأثير على المجتمع وبنائه الثقافي، من خلال دورها الحساس في التنشئة الاجتماعية و في حياة الأسرة، زوجة وأما وربة بيت، لكنها في كل ذلك تنقل روح المجتمع وعناصر الثقافة من عادات وتقاليد وقناعات، حتى لو كانت جملة الأفكار من صنع الرجل، قبل هذا اليوم بقرنين كاملين طرح عالم الاجتماع الفرنسي فريدريك ليبلاي نظريته حول مكانة المرأة، التي تمر بثلاث مراحل: المستقرة (الاستاتيكية) والانتقالية وغير المستقرة (الديناميكية) إني لأراها تصلح للانطباق على حال المرأة الأردنية خاصة والعربية عامة في هذا العصر، وأزعم أنها الآن في المرحلة الانتقالية، اذ تجمع بين خصائص المرأة الكلاسيكية والمرأة المتطورة. لذلك نراها تحاول أن تغذ السير إلى الانتقال إلى المرحلة المتطورة، من خلال أنشطتها السياسية وانجازاتها التشريعية وتصرفاته الاجتماعية، مناضلة إلى تحقيق وضعية الشريك الكامل المتفاعل، رافضة وضعية الفئة الخاصة التي تشكو و تطالب بالإنصاف.
وقد سعد أهل عمان قبل اسبوعين عندما وفدت جمهرة من نساء المملكة، ومن مختلف المحافظات الى جانب أزواجهن وأبنائهن، ليقمن تظاهرة اقتصادية اجتماعية، في حدائق الحسين الغناء، بجانب مدينة الحسين الطبية، يعرضن فيها انتاجهن من المواد الغذائية والمؤسسة على انتاجهن الزراعي، مثل الزيت والزيتون والتين المجفف(القطين) والعنب المجفف (الزبيب) و(الملبن) أو ما يسمى شعبيا بـ(الخبيصة)، ويلاقين إقبالاً حاشداً من الكبار والصغار والذكور والإناث، للاقتناء منها في موسم المونة البيتية في هذه الأيام.
لقد قوبلت هذه المنجزات العظيمة بمشروعاتها المتواضعة وبجهودها البيتية المكثفة بكثير من الحماس والغبطة والثقة بانها نقية صافية قليلة الكلفة نسبيا، خاصة وهي تمثل حسن الإنتاج النسائي وجميل العطاء الأسري في اعماق الريف الطيب وفي ثنايا القرى الوادعة. وأدرك الخارجون من بين الحشد السعيد بهذا العطاء أن المشروعات الصغيرة التي تنبثق بإرادة السكان وبقناعتهم، هي خير المشروعات التي توفر أجواء مناسبة، لاكتساب الناس للخبرات وإدارة الإنتاج.
ولكن هذا النهج الذي يركز على المشاركة الأهلية على المستوى المحلي، لا يعفي الدولة من دورها في إقامة ما يوصل بين هذه المجتمعات من ضرورات تتمثل بالمشاريع الكبيرة المحتاجة لموارد مادية وفنية أكبر وقدرات وصلاحيات أوسع، فعلى هذا النحو تتوفر شروط النجاح لبرامج التنمية، اذ تبدأ من الوحدة الصغيرة، من القرية، وبجهود أهلها تفكيراً وتخطيطاً وتنفيذاً، وبالتالي جنياً لثمار التنمية الملبية للحاجات والمعبرة عن الرغبات والقائمة على القناعات، وبعكس ذلك تبقى قوالب جامدة معزولة غريبة لا تستهوي الناس من حولها ولا يقبلون على التعامل معها بود وحماس وتفاعل. وما على الجهود الحكومية إلا أن تصل بين هذه الوحدات الصغيرة، وتوثق الصلة فيما بينها بالمشروعات الكبرى التي يشترك أهالي تلك الوحدات الصغيرة بالاستفادة منها، وبما يكمل السلسلة المتصلة بتلبية الحاجات الأساسية.
هذا ما يدعونا إلى تجديد هذه الدعوة القديمة، والتي ما زالت محدودة الانتشار بسبب تعود الناس على أن يطرقوا المجالات التي يرون فيها كل شيء جاهزاً، دون جهد بدني أو عناء فكري، وكأنهم بذلك قد انساقوا إلى الترف، رغم أن إمكانياتهم كأفراد وكشعوب لا تمكنهم من أن يكونوا من المترفين، علاوة على أن حقيقة الكرامة الإنسانية لا تقبل من الإنسان أن يتخلى عن تحقيق ذاته بممارسة العمل المنتج، أو أن يهمل نفسه بالخمول والكسل مكتفياً بالأخذ من دون عطاء.
dfaisal77@hotmail.com