أخر الاسبوع

فراسة الأمم والشعوب في العالم

صدر منذ مئة عام ووزارة الثقافة الأردنية تعيد طباعته:

الفراسة عند العرب علم من العلوم الطبيعية الذي به تُعرف أخلاق الناس الباطنة من النظر إلى أحوالهم الظاهرة: كالألوان والأشكال والأعضاء.

«علم الفراسة الحديث» هو كتاب للمؤلف الشهير وصاحب الروايات العربية التاريخية «جرجي زيدان» اللبناني المصري الذي أصدر أهم مجلة ثقافية شهرية مصرية هي «مجلة الهلال» عام 1892والتي ما زالت تصدر حتى الآن.

وكتابه هذا "علم الفراسة الحديث" صدر قبل أكثر من مئة عام وكانت طباعته الأولى في القاهرة عام ( 1901)، وفيما بعد صدرت عشرات الطبعات منه كان آخرها الطبعة التي أصدرتها وزارة الثقافة الاردنية في عمان عام 2014.

أصناف البشر

وفي هذا الكتاب يشير جرجي زيدان الى ان الناس ينقسمون باعتبار أشكالهم وأخلاقهم ومراتبهم إلى أربعة أقسام؛ يسمون كلاً منها صنفاً أو جنسا وهي: القوقاسي والمغولي والأميركاني (الأصلي) والزنجي.

ولكل صنف من هذه الأصناف صفات متشابهة ظاهرا وباطنًا.

(١) القوقاسي: وهو أرقى أصناف الناس وأكثرهم تمدنًا، ومنهم أمم أوروبا ومن نزح منهم إلى أميركا وغربها وسكان غربي آسيا إلى نهر الكنج، وسكان شمالي أفريقيا على سواحل بحر الروم، ناهيك بمن تمدن من أهل العالم القديم كالفنيقيين والبابليين واليونان والرومان وغيرهم.

ويُسمى القوقاسيون أيضا بالجنس الأبيض لأن أكثرهم بيض البشرة، على أن منهم بعض الشعوب السمراء اللون كالمصريين والمراكشيين والهنود، وتختلف شعورهم من الأسود الحالك إلى الأحمر والأشقر والأبيض، ولكنها تشترك في ميلها إلى الطول والسبوطة، وقد تكون جعدة جعودة قليلة بعيدة عن جعودة شعر الزنوج.

ويميز علماء الإنسان بين أصناف البشر بشكل جماجمهم وزوايا وجوههم، فزاوية وجه القوقاسي أكثر انفراجا من زوايا سائر الوجوه ، ويمتاز رأس القوقاسي باستدارته وانتظامه وتناسبه، وتكامل جبهته، وضيق وجنتيه واطمئنانهما، واستواء الوجه وميله إلى الشكل البيضي، مع ظهور الملامح وبروز الأنف، وصغر المناخر، وصغر الفم، وامتلاء الذقن وبروزه، وتختلف ألوان العيون فيهم اختلافاً عظيماً، وهم من أصناف البشر الاكثر تفرعاً وتنوعاً.

(٢) الجنس المغولي: وهو يشمل سكان أواسط آسيا وشرقيها وشماليها وجنوبها الشرقي، وهم شعوب الصين واليابان والتيبت وبوتان والهند الصينية، ومنهم أهل لابلاندا في أوروبا والإسكيمو في أمريكا.

وقد تمدن الصينيون واليابانيون تمدنًا حسنًا، ولكن انقطاعهم عن العالم جعل ذلك التمدن محصورا في دائرة ضيقة.

ويمتاز المغولي بتسطح الوجه وقصر الأنف مع ميله إلى الفطس، وسواد العينين مع صغرهما وانحراف زاويتيهما الخارجيتين نحو الأعلى، وهم خفاف الحواجب خشان الشعور مع سبوطة وسواد وخفَّة، وخفاف اللحى والعارضين زيتونيُّو اللون.

ويُلحقون بالمغول أهل ملقا وسائر جزائر الهند.

(٣) الأميركاني: ونريد به سكان أميركا الأصليين ما عدا الإسكيمو، وتمتاز جماجمهم بالاستدارة من جهة الوجه مع عرض الوجنات، حتى يظهر الوجه عريضاً جداً بين الأذنين، جباههم عريضة وبارزة من أسفلها ثم تتقهقر ولا تعلو كثيراً، عيونهم قاتمة اللون، أفواههم مستقيمة الشكل والأسنان عمودية، شعورهم خفيفة جدا، ويندر أن ينبت الشعر في وجوههم، ألوانهم سمراء مع ميل إلى اللون النحاسي، صدورهم عريضة وأبدانهم عضلية.

ومن أخلاقهم النشاط والشجاعة والغضب والثبات والحذر والحيلة والقسوة وحب الانتقام، قوة الفهم حسنة بهم، وأما الحكم والتجريد فإنهما ضعيفان، وعقولهم محصورة جداً.

(٤) الزنجي: وهو جنس معروف بيننا، مساكنهم في أواسط إفريقيا والحبشة وأوستراليا ومعظم جزيرة بورنيو وغيرها من جزائر الهند الشرقية.

ومن أمم الزنج سكان الكونجو والهوتنتوت وموزمبيق وقبائل خط الاستواء، وهم مشهورون بسواد البشرة وفطس الأنف وسعة المناخر وضيق الوجه وبروز الوجنتين وضخامة الشفتين وبروز الفكين وغور العينين مع سوادهما وسواد الشعر مع جعودة خاصة.

ومن أخلاق الزنجي الكسل والخمول، ولكنه قوي صبور، يحس ويحب ويتقلد، ويميل إلى الخرافات وسرعة الغضب مع التحيُّل والتقلب، وهو إنما يعيش في حاضره ولا يتكلف النظر في مستقبله، كأنه طفل لا يهتم إلا بما بين يديه، ولكنه يقبل التعليم مع انحطاط عام في قواه.

الجرمان

وهم من الأصل التيوتوني، وقد وجد الباحثون في طبائع الإنسان أن التيوتوني أوسع جمجمة وأكبر دماغا من سائر الشعوب القوقاسية، عرفوا ذلك بقياس تجاويف الجماجم. والجرمان أقرب شعوب التيوتون إلى أصلهم، وأدمغتهم كبيرة، وهم أهل تعقل وفلسفة، وقد قاس الأستاذ مورتون خمس عشرة جمجمة من جماجم الألمان فكان معدل سعتها ٩٥ قيراطاً مكعباً.

والألمان (أو الجرمان) زرق العيون خفاف الشعر واضحو الملامح عضليُّو البنية مع علو الجبهة وامتلائها وعرضها، وهم عراض الأحناك كبار الذقون، مما يدل على صبرهم وثباتهم وقوة عقولهم، وقد اشتهر الألمان بأبحاثهم الفلسفية وغيرها مما يحتاج إلى أعمال الفكرة ودقَّة البحث، وهم أهل حذر ورفعة.

الإنكليز

ويُراد بهم الأنكلوسكسون، وهم من التيوتون ، وأخلاقهم تشبه أخلاق الألمان، ومعدل سعة الجمجمة الإنكليزية ٩٦ قيراطاً، فدماغهم أكبر من دماغ الألمان، والإنكليز ممتلئو الأجسام واسعو الصدور كبار الهامة أقوياء المعد والأكباد سريعو الدورة أصحاء التغذية، وجوههم مشرقة تتدفق الصحة منها، ومن أخلاقهم الاعتداد بالنفس والكبرياء والطمع والهمة وحب الأثرة مع النشاط والإقدام والثبات والاقتصاد وحب الخير والتدين.

والإنكليزي قاس في معاملته بارد في محبته، لكنه إذا أحب ثبت في الحب، مع لطف ودعة، وهو أقدر على الأعمال المادية منه على الأعمال الخيالية أو التعمق في الفلسفة.

الإنكليز الأميركان

ونريد بهم الأوروبيين الذين استوطنوا أميركا بعد اكتشافها، وأكثرهم من الإنكليز، وإنما تنوعت أخلاقهم بالاختلاط وتأثير الإقليم، فاستطالت رؤوسهم وضاقت عظام وجوههم، فضاقت جماجمهم حتى أصبحت سعتها ٩٣٫٥ القيراط، وتغيرت أخلاقهم تغييراً بيناً، وتبدلت أمزجتهم، فالإنكليزي دموي

المزاج والأميركاني صفراويُّه، والمزاج الحيوي متسلط في الإنكليزي، والعصبي أو العقلي غالب في الأميركاني، فالإنكليزي أكثر تكبراً واعتداداً بنفسه وثباتاً وصبراً من الأميركاني، والأميركاني أكثر حركة وأدق نظراً وأسرع خاطراً وأكرم نفساً من الإنكليزي.

وأنف الأمريكاني وسط بني الروماني واليوناني، ووجنتاه مرتفعتان نوعا، وذقنه بارز، ولون البشرة أقتم مما في الأنكليز، وهي تزداد قتوما بتوالي الأجيال.

الفرنساويون

وهم من الشعوب القلتية، والقلتي أوسع صدراً من الإنكليزي، لكنه أضعف معدة، وهو عضلي لكن تعوزه الاستدارة، وجمجمته أصغر من جمجمة التيوتوني. ويستدلون بذلك على أن دماغ القلتي أصغر من دماغ التيوتوني بنحو ستَّة قراريط أو ثمانية.

والرأس الفرنساوي أصغر من الجرماني، والفهم فيه أقوى مما في الجرماني والتأمل أضعف؛ أي إنه أسرع إدراكاً منه وأعجز عن إعمال الفكرة طويلا. فإذا عرضت مسألة تحتاج إلى نباهة كان الفرنساوي أسبق إلى إدراكها، وأما الأمور التي تفتقر إلى اعمال الفكرة والتأمل فالألماني أصبر كثيراً فيها، والألماني أقوى من الفرنساوي في الموسيقى والرياضيات، وأكثر حذرا وتحوطاً منه، وأما الفرنساوي فإنه أسلم ذوقًا في الفنون الجميلة ونحوها مع الميل إلى الإحسان والانتصار للضعيف.

والفرنساوي مشهور بتسرعه وحدته وسرعة خاطره مع عجزه عن الثبات، ولكنه يحب البهرجة، وله اقتدار على اختيار الأذواق الجميلة، وكل ذلك ظاهر في أعمال الفرنساويين وتواريخهم، وكأنه مصور على أبنيتهم وألبستهم وشوارعهم وأقوالهم وسائر أعمالهم.

الإيطاليان

وهم أكثر اختلاطاً من سائر شعوب أوروبا؛ ولذلك يعسر تحديد العنصر الإيطالي تحديداً واضحاً؛ فإن فيهم التيوتون والرومان والقلت وغيرهم.

ومن صفات الإيطاليان العامة إشراق اللون واستطالة الرأس وكبر العينين.

ويغلب المزاج الدموي في شبانهم والليمفاوي في شيوخهم، ولهم باع طولي في الزراعة والتجارة والصناعة، ويصح ذلك على أهل لومبارديا وبارما وبولونيا ورومانيا إلى رفينا وريميني، وأما أهل جينوا فيغلب فيهم الكبرياء وخشونة المعاملة والصبر على المكاره والشقاء، ومنهم أشهر النوتية ورجال الأسفار من قديم الزمان، وهم قصار القامة سود العيون صغارها مع حدة البصر.

فإذا تجاوزت جنوا إلى سلسلة جبال الأبنين حتى أبروتزو وكالامبريا رأيت هناك شعباً من أكثر الشعوب ميلاً إلى الاستقلال، ويظن أنهم بقية الشعب الإيطالي الأصلي.

وأما أهل رومية فهم بقية شعب الرومان، ولا تزال ملامح الرومانيين بادية في فلاحيهم، وهم كبار الرؤوس مسطحوها، قصار الجبهة عراضها، وجوههم واسعة مربعة، ورقابهم قصيرة غليظة.

وأهل نابولي أصولهم مختلطة باليونان، وأخلاق اليونان ظاهرة فيهم، فضلاً عن اختلاطهم بالفينيقيين قديماً وبالعرب بعد الإسلام.

وأهل صقلية وسردينيا وكورسيكا فيهم بقايا من أهل المغرب يرجع تاريخهم إلى زمن القرطاجيين، وهم يمتازون بسمرة ألوانهم وامتقاعها بما يدل على المزاج الصفراوي.

أما الإيطاليان من أهل الطبقات العليا المتصلة أنسابهم باليونان والرومان والغوط فقد ورثوا خلال تلك الشعوب، وهذبوها بتوالي الأجيال فكانوا من أرقى شعوب أوروبا، ومنهم نبغ المصورون العظام مثل رافائيل ، ودانتي الليجيري. وهناك شاعرية الغوط، فمثلاً تاسو دماغه غوطي وشكل جمجمته يوناني، وكذلك غليليو صاحب دوران الأرض ، وغريبالدي القائد الشهير فإنهم جمعوا العنصرين الغوطي والروماني.

الإسبان

والإسبان وفيهم البرتغال لا يقلون اختلاطاً عن الإيطاليان لتوسط إسبانيا براً وبحراً، فهي ما برحت عرضة للفتح والغزو والاستعمار منذ القدم، فسكنها الفينيقيون والقلت والجرمان والرومان والعرب، وأما أصل سكانها فهم الأيبريون القلتيون.

والإسباني اليوم ربع القامة قوي البنية، جمجمته أعرض من جمجمة الفرنساوي نوعاً وأعلى، ووجهه أكثر استدارة وأقل زوايا، شعره أسود غالبًا وعيناه سوداوان أو خروبيَّتان، ومزاجه صفراوي دموي.

وأما أخلاقه فهي أنه أقل ذكاءً من الإيطالي ولكنه أثبَت منه جأشاً وأعز نفساً وهو باسل متعصب محب للخرافات حقود ينهض للانتقام.

الروس

وهم من الشعوب السلافية، وما من مملكة في العالم أكثر شعوبًا من مملكة الروس، حتى عدوا منهم نحو مئة طائفة يتكلمون أربعين لغة، وفيهم الجرمان والفن والكلموك والأرمن واليونان والشركس فضلاً عن الروس الأصليين.

وأظهر صفات الروس العرض، فالروسي عريض الرأس عريض الأكتاف عريض الصدر قصير الأطراف. وهم أقدر الأمم على الصبر في الأهوال، والروسي قوي التنفس صحيح الدورة والهضم قوي العضل إلى الدرجة القصوى.

وكأن الشعب الروسي شاب في ريعان شبابه لم يدرك البلوغ التام، ولكن هيئته تدل على عظم مستقبله، فمستقبله عظيم وإن لم يظهر فيه ذلك تمام الظهور.

ولكن ما ظهر منه حتى الآن يدل على استعداد فيه سيكون له شأن عظيم في الأجيال المقبلة؛ لأن الروسي قوي بدناً وعقلاً، وفيه ثبات وصبر، وأكبر الشواهد على تلك الخلال ما أتاه بطرس الأكبر مما يصح أن يكون مثال الصبر والثبات والذكاء والإقدام.