كتاب

نايف أبو عبيد

رحل الشاعر الوطني ابن البلد نايف ابو عبيد وخسر الوطن برحيله قامة وطنية أثرت عبر مسيرتها بكنز لا ينضب من الأشعار التي تتغنى بالأردن والريف والبادية، حيث خسرت الحصن بلدتنا الجميلة واحد من أبنائها ولكنها تحتضن بترابها اليوم جثمانه الطاهر، رحل عنا نايف أبو عبيد بعد أن علمنا دروسا وعبراً ننفذها لأنها ترصف الطريق الصحيح لمن يبحث عن التميز، وأذكر أنني تعرفت اليه أثناء عمله بالاذاعة الأردنية في سبعينات القرن الماضي، وأهداني قائمة من مؤلفاته أذكر حتى الساعة واحدة من القصائد التي استوقفتني ونُقشت بالذاكرة حتى يومنا ومن ديوانه «هرجة وحكايا ليل» وفيها ينادي على مهني البويا مخاطباً بما تسعفني ذاكرتي:

يا زغيري يا زغير الحال حالك حال وبالك بال، موال الدنيا موال وبتنادي بويا بويا، غيرك يا زغيري قلقان لف الدنيا ومش شبعان، وأنت جيعان وعريان وبتنادي بويا بويا، فهو الشاعر الذي استخدم اللغة الشعبية في أشعاره ليكون القريب والسلس، وهو الذي جعل نبض الكلمة يلتقي مع نبض الوطن في أرجائه كافة، لأنه شاهد على مرحلة تاريخية مهمة في لحظات ألقها وانكسارها، يقول كلمته بصدق وانتماء دون مواربة أو مراوغة، فهو دائم التغني بالوطن الأم، والأم الوطن، وهو الشاعر الذي تمكن بتوظيف ذكائه وسلاسة شخصيته ليطوع الحرف والكلمة وعلامات الترقيم اللغوية بتحدي الصبر والقفز عن المستحيل، بالرغم أنه ظُلِم ولم يأخذ حقه كحال أبناء الفلاحين والقرى.

الحصن المدينة أهدت للوطن كوكبة من الشعراء والأدباء، منهم من رحلوا وذكراهم بأعمالهم خالدة في الوجدان، ونايف أبو عبيد يلحق بركب الراحلين حسب ارادة الله، فهو من أبرز شعراء المرحلة على الصعيد الوطني، إذ جاءت جملته الشعرية محيطة بموضوعها، وتباينت صوره الشعرية وتنوعت أساليبه، فصّل فأجمل، وعاين فقارب، وصف فأبدع، رسم فتميز، جعل من أشعاره وحكاياته مرجعا للاستئناس عند الضرورة، كما أدخل السياسة من بوابة الأدب فتسامى عن الكثير، رمزاً وعلماً وذا مكانة مرموقة، وهو صاحب رؤية فكرية، وحياته مليئة بالإنجازات وساهم في تشكيل علائق نصية جديدة، ذات أبعاد متناسقة تحتاج للوقوف على معانيها وتفسير كلماتها، فهي الأبعاد والإجراءات التي تجسد تفاعل النصوص وتناسلها وهدمها وبناءها، ونراه على المسار الآخر في شعره وشخصيته يجسد العلاقة بين الذات والآخر، حيث تنشطر الذات على نفسها، كما الفرد يمكن أن يكون آخر بعد فترة قصيرة.

زارني قبل فترة بمنزلي برفقة الصديق الوفي ابن الحصن البار ورفيق الدرب الشاعر عوض نصير، فطرح بركته وناقشني بما أكتب وأبدى ملاحظات في غاية الأهمية من باب الحرص الذي يجسد روح الانتماء للوطن والأرض، واتفقنا أن نلتقي بمنزلي الجديد، لكنه آثر الرحيل قبل اللقاء، فله الرحمة ولنا جميعا الصبر، وعزاؤنا بعائلته الصغيرة والكبيرة بما أنجب للسير على خطاه.