كتاب

العرش والشعب في خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة

عبرت الأردن بثبات وثقة موجات متلاحقة من التحولات الكبرى على مستوى المنطقة العربية من خلال جهود متواصلة، واستطاعت أن تفاجئ جميع المراقبين بانتزاعها انتصارات دبلوماسية وعملية على أرض الواقع، كان من بينها استعادة الباقورة والغمر والإفراج عن أسيرين أردنيين والاستمرار في المنافحة الواضحة عن المقدسات الإسلامية في القدس والتجديف ضد مشروع صفقة القرن، ودفعت الأردن الثمن الكبير في سبيل ذلك، وتتابعت الضربات التي استوعبتها المملكة بشجاعة وبدرجة عالية من الثقة، وتوخياً للصدق فإن ما يشهده الأردن اليوم من مخاوف معلنة وضمنية لا يمكن أن ينفصل عن هذه الظروف الصعبة.

وضع جلالة الملك في خطاب العرش السامي السلطات الثلاث أمام مسؤولياتها الكاملة، فاليوم لا يوجد ما يدعو للخوف حول مستقبل الأردن، وجرعة الشفافية يجب أن تتزايد بناء على الايمان الوطيد بوعي وانتماء المواطن الأردني، فالملك يوضح بمنطق رب الأسرة أن الوطن بأكمله في رقبته، ومثل الأب الذي يحرص على أبنائه ومعنوياتهم كان الملك يوجه بالابتعاد عن إثارة القلق في غير موضعه في ظروف صعبة كان كثيرون يعتقدون خلالها أن الأردن سيتحول إلى حجر آخر في صف الدومينو المتساقط، ولأن ذلك كله أصبح وراءنا فإن الحديث الملكي يتوجه بكل شفافية ودعوة للتشاركية ولتعزيز التكامل والتضافر تجاه المستقبل.

يوجه الملك قبل أي شيء لضرورة الالتفات للشأن المعيشي والتخفيف عن كاهل المواطنين، ويضع السلطة التنفيذية أمام مسؤولياتها بتوجيه حزمتها الإصلاحية لهذه الغاية وأن تعمل بجدية وكفاءة لتحقيق نتائج يتلمسها المواطن، كما وتنضم السلطتان التشريعية والقضائية لهذه المنظومة في الخطاب الملكي ومعها القطاع الخاص في حالة من الاحتشاد لا تتجاهل ولا تتناسى المواطن نفسه الذي يثق في نفسه وفي مستقبل بلاده.

أتى الخطاب الملكي مفعماً بروح المودة والمحبة والأبوة، وكانت نبرة الملك حيث تمازجت ملامح الحرص على الوطن والمواطنين باستنهاض الهمم والعزائم تستكمل صورة الأردن بأسره في هذه اللحظات الحاسمة والفارقة في تاريخ المنطقة، في ثنايا هذه الصورة نلمح الدعوة إلى التعالي عن الصغائر والخروج من دوامة التفاصيل والالتجاء إلى صخرة الثوابت الوطنية.

يتوجه مجلس الأمة إلى دورته الأخيرة وأمامه مسؤوليات جسيمة ومهام عاجلة تجاه استكمال بيئة الإصلاح السياسي والاقتصادي وبما يسهم في ترجمة خطط الحكومة وإجراءاتها في صورة أطر تشريعية تعزز من مكانة الأردن كأحد المحطات الجاذبة للاستثمار وتحويل استقرار الأردن وثباته وموثوقيته ومصداقيته إلى مكتسبات تعود بالنفع على جميع المواطنين.

بعد سنوات من الغموض الذي اعترى المنطقة تلوح أمام الأردن الفرصة من أجل استنئاف مسيرته الوطنية، ولذلك فالمسؤولية تتحول إلى تكليف يستدعي المساءلة، فلم تعد الأعذار التي كانت سابقاً قائمة أو مقبولة، والخيار الوحيد هو العمل والإنجاز، والطريق واضحة وبارزة معالمه، ولا مناص للأردنيين من التقدم فيه بكل تكاتف وثقة مهما تكن مشاقه ومتاعبه.

باسم كل الأردنيين تحدث جلالة الملك، وكانوا حاضرين في كلامه ونبرة صوته ونظراته، ولشعب الأردن العظيم كانت اللفتة الكبيرة فهو المبتدأ والخبر ومصدر العزم والتفاؤل، ولأجله تبذل الجهود وتهون التضحيات.