كتاب

وليست النقابات الاميركية فقط!

حين يتحدث رالف نادر (85 عاماً) عن قضية ما فلا بد ان أصغي جيداً لأنه المحامي والناشط السياسي والبيئي الاميركي الذي لم يتراجع عن مبادئه فقد نجح تاريخياً في قيادة حركة حقوق المستهلكين ضد غش الشركات بمقاطعة منتجاتها ما هدد ذات يوم كيان اكبر مصانع السيارات جبروتاً في أميركا ثم دخل بشجاعة معركة انتخابات الرئاسة متحديا الحزبين الكبيرين وهو يعرف سلفاً انعدام فرصته لكن اسمه دخل بعد ذلك قائمة المئة شخصية الاكثر تأثيراً في القرن العشرين، فقبل أيام كان نادر المتمكن الذي الف كتباً جسورة لاقت رواجاً كبيراً يحاور في برنامجه على الراديو المستقل (ريل نيوز) خبيرَ الحركة العمالية ستيفن غرين هاوس حول كتابه الجديد (المهزومون يشقون طريقهم للنهوض/ ماضي وحاضر ومستقبل العمال الاميركيين) الذي يبحث ازمة النقابات والاتحادات العمالية والهبوط المقلق في عدد المنتسبين لها، وقد ذكّرني هذا الحوار بحماسنا للنضال العمالي في خمسينات القرن الماضي وكنا طلابا في مصر حين عُرض فيلم لمارلون براندو بعنوان (على رصيف الميناء) للمخرج الاميركي اليساري إيليا كازان الذي ادهشنا وادهش العالم بافلامه السابقة ذات الطابع الاجتماعي الثوري، لكننا بعد ان شاهدنا فيلمه الجديد خرجنا حيارى نتساءل هل حقا من اخراج كازان هذا الفيلم الذي شوّه دور نقابات العمال واساء لأعضائها وصورّهم كأنهم افراد من عصابات شيكاغو يرتكبون الجرائم ضد زملائهم من العمال حتى يلجأ هؤلاء في النهاية الى حضن صاحب العمل لكي يحميهم!؟ وجاءتنا الاجابات في الايام التالية بعدد من تعليقات الكتاب الصحفيين اليساريين في روز اليوسف وغيرها امثال عبد الرحمن الخميسي وسعد التايه وحسن فؤاد الذين استنكروا تراجع كازان عن مبادئه ولو بحجة تعرضه لضغوط شديدة اثناء ادلائه بشهادته امام لجان التحقيق المكارثية التي كانت تشن حرباً متعصبة ضد الناشطين واصحاب الفكر المعارض وتحرق كتبهم في الميادين العامة في خرقٍ صارخ للدستور الاميركي الضامن لحرية الرائ والتعبير! فقد قيل إنه انهارَ ووشى ببعض رفاقه من النقابيين في هوليود، كما قيل عن الممثل الفاشل رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة بعد عشرين عاماً انه كان آنذاك عميلاً يتجسس على رفاقه في نقابته!

وبعد.. صحيح ان المكارثية في اميركا لم تدم طويلا بل سقطت وأُدينت امام الكونغرس والقضاء وفي كل المحافل الديمقراطية لكن نشاطاتها المسمومة ضد النقابات العمالية وسواها من المنظمات لم تتوقف بل استمرت باساليب مختلفة كاختراق صفوفها وتخريبها من الداخل وتخويف العمال من مغبة الانتساب لها حتى وصلت الى ما يصفه غرين هاوس الآن بالوضع العمالي المزري ليس في أكبر دولة (صناعية) في العالم فحسب بل في دول اخرى عديدة نعرفها جيداً..