وسط خلّاطة الباطون العملاقة بحجم قارّة، والتي تدور في أجزاء كثيرة ممّا حولنا. نقف بمكوّناتنا ليس ببعيد عن أيدي من يديرها.
نحن نحاول الإفلات والحفاظ على مكوّناتنا كما هي، بلا خلط. نحرص نعمل نقاوم حتّى يظهر كلّ مكون من مكوّنات شخصيتنا كما هو، رغم عيون صاحب الخلاطة المحدقة بكافة الوجبات المعدّة والتي يعدّها ويعمل على تجهيزها للخلط. في نفس الوقت عينه الأخرى على الوجبات التي تمّ خلطها وصبّها في أماكن حددها، وبُسطت مُدّت في قوالب شُكّلت بأشكال وأوضاع حددها لها تلغي ملامحها ومكوناتها حتى تخدم مصالحه وتعلّي بنيانه.
نرى خلطات قيد الخلط وأخرى قيد الصّب وثالثة قيد التشكيل ورابعة قيد التصلّب لوضع جديد أراده الزّمن.. زمن أغبر نعيشه، أو أجبرنا أن نعيشه هو و/ أو (مقاول.. مقاولون!) لتغيير ملامحنا لوضع يختلف في نتائجه عن أي من مكوناتها منفردا لتخدم مصالحه المترامية في كلّ مكان. يقيم منها مزارعه وأبنيته التي تناطح السّماء من مكوّنات الجبل والحقل للخلق في أصقاع الدّنى؛ في أمكنتها بعد أن يحوّلها لمزارع له، أو إلى أماكن أخرى يرى أنها تخدم عمله، وتزداد فيها ثروته.
أحيانًا عندما تكون المكونات سهلة التشكيل ضعيفة في معادنها؛ قد تحتاج الخلطة لدورة أو دورتين. أحيانًا أخرى، عندما يكون الحجر من معدن صلب، من صوّان صلب لامع صعب الكسر لا يقبل أن تلصق عليه مكوّنات اللصق؛تبقى الخلاطة تدور وتدور ولا يمكن أن تُخلط مكوّناتها لتصبح جاهزة للصب للمد والتشكيل. ييأس المقاول يتعب يخسر يلقيها خارج الخلاطة ويذهب لحي آخر صخره لدن ضعيف. وأحيانًا تكون المكوّنات من حَجر قابل للبناء لكن معاند، عصيّ على المقاول، يحتاج وقتًا أطول وجهدًا أكبر حتى (تدوخ مكونات الخلطة تتعب تنخّ تستسلم بعد إرهاق وإجهاد) فتستسلم تعبًا وإرهاقًا و( ربّما قرفًا)، إلّا !! إلا إذا ملّ المقاول وبدأ يخسر جهدًه وماله وأحيانًا عمّاله من مقاومة الحجر للخلط، أو.. أوقفت الخلاطة يدٌ قويّة رغمًا عَمّن يديرها، أخرجت المكوّنات غسلت بالغزير من ماء (وطنيّ)رقراق عذب يزيل شوائب أسمنت الإعتداء قبل أن يتصلّب حول أحجار الإرادة والعزيمة فتضحي بلا روح بلا حياة بلا لمعان الحريّة وجمال لون الحجر.
بداية يجب الحفاظ على حجر الجبل يحمل أشجاره والدفاع عنها قبل أن تتكسّر وتجهّز للخلط والتشكيل لصالح المقاول.. الغريب.
هنا في بلدنا شاهدنا سمعنا وعِينا مجازر للخلط في أصقاع كثيرة من حولنا وما بعد حولنا. نقرّ أننا قد وقفنا متفرّجين على غيرنا، قد نكون بالغنا في الشّعور بالأمن والأمان في وطن واحد متوحد نعيش به،أو وهمًا زائدًا في تعاضد قريب أو حليف لم يمارس دور الحليف بل جهّز خلّاطة كبرى متنقّلة لا تبقي ولا تذر.
وعِينا المخاطر التي تحيط بنا، ولو متأخرين. بدأنا في الإلتفاف حول الجبل والأحراش والحقل والإنسان.. أكثر وأكثر. تلوح بوادر الخير إن شاء الله التي نأمل أن تثمر خيرًا وقوّة ووحدة تقينا شرّ كلّ خلط ومدّ وتشكيل. نحن من حجر صخر الصوّان الذي لا يقبل الكسر والنحت والتشكيل، بل إن كسر جزء منه يتحوّل إلى سيف حدّه يجرح يقطع كل يد تمتد للحجر الأمّ.
نحن وخلّاطة الباطون!!
11:00 1-11-2019
آخر تعديل :
الجمعة