كتاب

نقتلها ونسلب غذاء صغارها!

رحلة الانسان مع الطعام قديمة قدم وجوده على هذه الارض وهي للدارسين ممتعة بتنوعها الهائل عبر ملايين السنين وأكثر حُقَبها توثيقا الآلافُ العشرة الاخيرة، لكن اسئلة كثيرة حولها مازالت تُثار مع تقدم العلوم لجعل الطعام أكثر فائدة واقلَّ ضرراً والأهم اوفرَ انتاجاً لسد احتياجات الزيادة المطردة في سكان العالم، ومنها مثلا متى اكل الانسان اللحوم وهو خَلْقيا وحسب وظائف جهازه الهضمي ليس كالحيوانات المفترسة؟ وكيف تحولت هذه الممارسة في عصرنا الى صناعة تجارية عالمية ضخمة؟ وما هو موقف النباتيين Vegetarians الذين يرفضونها لانها قطع من عضلات مخلوق أُزهقت روحه سواء كان خروف او بقرة او دجاجة او حتى سمكة وهو موقف صحي سليم أؤيده واخلاقي أدعو لاحترامه خصوصا حين يسمو أكثر عند النباتيين الصِّرف Vegans الذين يوسِّعون دائرة مقاطعتهم لكامل انتاج الحيوانات بدءاً من الحليب فهو يخص مواليدها التي يجري ايضا سلبه منها لبيعه وصولاً الى بيض الطيور وعسل النحل!

قبل ايام أرسل لي حفيدي ال Vegan من الخارج فيلماً وثائقياً مؤلماً مقززاً عن جرائم الانسان في حق الحيوانات التي يحبسها ويعذبها ثم يغذيها (!) بهرومونات تسّمنها كي يقتلها بوسائل مختلفة تظل همجية مهما حُسِّنت صورتها بحجة تنويع اطباق الطعام رغم البدائل العديدة المتوفرة بكافة المزروعات حول العالم!

ليس سهلا الحديث عن مقاطعة اكل اللحوم بمواجهة العدوان الدموي على الحيوانات الداجنة لان ثقافاتٍ دينية واجتماعية رسختها بعض الكتب المقدسة تحتفي بالمشويات والمحرَّقات او تحتفل بحشد ملايين الخراف في يوم واحد لجزّ اعناقها، وليس سهلا كذلك محاربة صناعة اللحوم العالمية التي تضم سلسلةُ انتاجها ملايينَ من العاملين في مهنها قبل ان تصل الى موائدنا فنحن نعرف جيداً سطوة من يتحكمون بها كي يجنوا من ورائها ارباحاً طائله كما أنهم يفزعون من البحوث التي تثبت عدم ضرورتها لا بل كثرة اضرارها كاستهلاكها مساحات واسعة جداً من الطبقة الخضراء التي تغطي سطح كوكبنا فهذه لو تركت بكمياتها الوفيرة لأصبحت كافية واقل كلفة في تأمين غذاء ملياراتنا السبعة والوصول الى افواه الجائعين من الفقراء والمعدمين.. فضلا عن اسهام هذه الطبقة في التوازن البيئي والاعتدال المناخي، ولا يتورعون عن رشوة بعض المراكز العلمية لاختلاق معلومات عن تفوُّق البروتينات الحيوانية على النباتية في الخضار والحبوب!

وبعد.. فهذه معركة غير متكافئة لا تُحسم بالنوايا الحسنة لدى النباتيين مهما بلغ عددهم بل باستبدال النظام الاقتصادي العالمي بآخر لا يعبد (الربح) ولعله يعرف على الأقل معنى الرحمة والشفقة.