كتاب

تقرير حالة قطاع صحة البلاد

أطل علينا المجلس الاقتصادي والاجتماعي منذ سنتين بتقريره الأول عن حالة البلاد الراهنة في كل قطاعات الدولة ومنها قطاع الصحة. وقد أتيح لي المشاركة في جلسة المراجعة للتقريرالثاني لحالة القطاع الصحي والتي عقدت صباح الثلاثاء الماضي في المستشفى التخصصي. الجلسة كانت حافلة بحضور نخبة من المعنيين بالشأن الصحي الذين سمح وقت الجلسة لبعضهم بالمشاركة في عرض ملاحظاتهم حول التقرير.

والتقرير بمجمله يعد تقريراً طبياً بإمتياز لتشخيص علل قطاع الصحة ومضاعفات تركها فترة طويلة دون علاج مما فاقم هذه العلل وجعل بروتوكول حلها صعباً ومكلفاً، وقد تم تحضيره من قبل خبراء وفق أسلوب علمي توثيقي لمعظم فعاليات قطاع الصحة وتحديد مكامن الضعف والقوة وتحديات القطاع ومشاكله ومحاور خطة الأصلاح وهذا هو مربط الفرس. إلا أنني أميل إلى إعطاء مساحة أوسع في التقرير لتحقيق الأهداف الكبرى التي تفضي الى حلول كبرى تعالج حالة القطاع لا أن نكتفي بالحلول الأضافية (Incremental Changes) التي لا تغير الواقع أو حتى بعضاً منه في الأمد المنظور. وهذا النهج في رأيي هو المسؤول عن استمرار حالة القطاع غير المرضية مدار التقرير فمثلاً في محور الرعاية الصحية الأولية لا يجب علينا أن نكتفي بالأهداف المرسومة لتحسين جودة الخدمات الصحية وطرق رصد الأمراض والحد منها وغيرها كما هو وارد تحت هذا المحور بل نريد أن نرى هدفاً تنظيمياً يعزز منظومة الرعاية الصحية الأولية ومؤسساتها ورفدها بمجموعة من الأطباء العامين المؤهلين لأحداث الفرق وجعل مراكزها وعياداتها المنتشرة في ربوع الوطن هي المدخل الأولي للنظام الصحي الأردني لا المستشفى.

كذلك محور الرعاية الصحية الثانوية والثالثية وهي الخدمات الطبية العلاجية التي تقدمها المستشفيات العامة والمتخصصة والتي لم تعالج الاستراتيجيات الصحية الماضية صيرورتها كمدخل للنظام الصحي وكخط أول للدفاع عن المرض ما يجعلها أمكنة مكتظة وأنظمتها الداخلية مرتبكة وكوادرها محبطة وإداراتها أصلاً غير مؤهلة لإدارة مثل هكذا أزمات متكررة يومياً. أما محور التشريعات فرغم الأنجاز الكبير إلا أن أركان بعضها لم يكتمل، فقانون المسؤولية الطبية بحاجة إلى من يضع معايير وقواعد الممارسة الطبية المتعارف عليها لغايات القياس وتحديد وجود الخطأ الطبي من عدمه، كما أن تعليمات صندوق التعويض ضد الأخطاء الطبية والبدء باستلام أقساط التأمين من مقدمي الخدمة على اختلاف صنوفهم لم تكتمل بعد، مهمة صعبة أعان الله المجلس الصحي العالي عليها. كذلك نظام الاعتمادية الذي علق لاعتراض النقابات عليه لوجود ركني الإلزام والإغلاق دون دراسة بدائل مثل إلزامية إعتمادية المستشفى من جهة حكومية وليس من جهة خاصة أو تركها إختيارية ومجالا للتنافس ونقطة جذب للسياحة العلاجية. يبقى محور التأمين الصحي فالاكتفاء بزيادة تغطية شريحة جديدة من السكان كل عام لا يغير من جوهر المشكلة التي تتطلب حلاً شمولياً يقوم على إعادة هيكلة مؤسسات التأمين الصحي الحكومية الثلاث، ووضعها تحت إدارة واحدة لمعالجة التمايز الحاصل بينها في الأقساط والمنافع التأمينية ومستوى الخدمات وما يدفعه المؤمن من جيبه الخاص، بعدها نستطيع أن نحدد من هو مؤمن ومن هي الشريحة المستهدفة لشمولها بمظلة التأمين الصحي.

حوار دافىء تحت مظلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يعتمد الحوار الإيجابي وبناء التوافق التشاركي في المجتمع الواحد. تقريرحالة البلاد ننتظره كل سنة بشوق لا نريده تقريراً موسمياً عابراً بل مدخل للحل ومخرج لنا من حالة قطاع الصحة الراهن. جهود خيرة ومثمرة للمجلس رئيساً وأعضاءً وللخبراء الذين وضعوا وراجعوا التقريركل الشكر.