الرأي الثقافي

ملامح سردية في كتاب «ضاحية قرطاج»

ربما لا يندرج كتاب «ضاحية قرطاج وقصص أخرى» للكاتب الفلسطيني منجد صالح ضمن فن القصة القصيرة إلا في بعض من نصوصه، ليكوّن مجموعة تراعي النصوص السردية المحققة لشروط كتابة القصة القصيرة، تلك الشروط المتعارف عليها عند النقاد والكتّاب على حد سواء. وهنا أستحضر ما قاله الروائي يوسف زيدان بخصوص الرد على الناقد صلاح فضل عندما وجّه ملاحظة لرواية زيدان «ظل الأفعى» مفادها «إن من يدخل مدينة الرواية عليه أن يحترم قوانينها»، فأجابه زيدان: «ما هي قوانين الرواية حتى نحسب قدرَ انحرافي عنها»، وكان فضل قد كتب مقالا نقديا وصف فيه الرواية بأنها «تجربة فذة، فيها ما يطيح أحيانا بالتقنية الروائية». وهنا ربما من حق الكاتب منجد صالح أن يقول للناقد ما قاله زيدان لصلاح فضل.

تحيل هذه المسألة إلى أصل نشأة الإبداع وفنونه وتقعيد هذه الفنون، فمن الثابت أن النصوص الإبداعية أسبق من النظريات النقدية. لقد كُتب الكتاب أولاً، ثم جاء النقاد واستقرأوا تلك النصوص ووضعوا القواعد النقدية، هذا ما فعله أرسطو مثلا في كتاب «فن الشعر» في دراسته للكوميديا والتراجيديا في زمنه أو في النصوص السابقة، وكما فعل النقاد العرب في اشتقاق علم النحو وعلم العروض ووضعوا قواعد للشعر، فجاءوا بنظرية عمود الشعر، وقواعد النحو وبحور الشعر. ولأن هذه القواعد استنباطية فهي ليس حتما لازما، فجاء كتّاب كبار وانتهكوها، سواء في المسرح في الخروج على قواعد أرسطو، أو في الشعر والخروج على قواعد الخليل بن أحمد أو قواعد المرزوقي في توصيفه لعمود الشعر. بل إنني أقول: إذا ظل الكتاب أسرى القواعد النقدية، فإنهم لن يكتبوا إبداعا حقيقيا. فالحرية بمعناها الأشمل الفكرية والإبداعية والانطلاق الحر في الكتابة هي السبب الوحيد في ولادة نصوص مميزة وخالدة.

وبعيدا عن إخضاع هذه المجموعة لمنطق القصة القصيرة، فإنه لجدير بالكاتب والناقد معا أن يقولا إنه لا يوجد قواعد للكتابة، بل إن كل كتاب يخلق قواعده من ذاته ومن رؤى كاتبه وثقافته ولغته ورسائله التي يريد إيصالها للكاتب. وعليه، فإنه من المهم التغاضي عن ذلك الخروج على القواعد المقررة في كتابة القصة، والبحث عن ملامح البنية اللغوية خلال سعي الكاتب -بقصد أو من دون قصد- للخروج على تلك القواعد، في البنية والحدث والزمن والعقدة وما سوى ذلك، وإن حافظت كل قصة على أهم ما يميز القصة القصيرة وأقصد بذلك «وحدة الانطباع»، كما تكشف هذه النصوص قدرة الكاتب على السرد والاهتمام بالتفاصيل، كأنه يستخدم آلة تصوير بمميزات عالية الوضوح.

إن كل عمل أدبي له ميزة يجب أن يتحلى بها، ليشكل حضوره إضافة فنية في سياق الأدب الذي ينتمي إليه، فما الذي يميز كتاب «ضاحية قرطاج» الصادر عن مؤسسة سيدة الأرض، من سمات سردية وفنية؟

عليّ أن أشير أولا إلى ملحوظة مهمة في هذه السرديات الإحدى عشرة، وهي أن كلّاً منها ذات نمط خاص وأسلوب يميزها عن غيرها، فلا تتشابه قصتان من هذه القصص، وإن نهلت كل القصص من مَعين «الواقعية»، فكل تلك النصوص تنهل مادتها من الواقع المعيش، لتقدم جانبا مهما منه، في النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية، وكان الكاتب يحرص على أن يزود القارئ بمعلومات ثقافية وهو يتحدث عن تاريخ فلسطين والدول التي قد تشكل القصص محورا من محاورها، أو حتى إن مرت عرضا في سياق القصة، ليترك الكاتب الحدث الرئيسي ويأخذ في الاستطراد، فيقدم معلومات قيمة حول هذه القضية أو تلك، وبالتالي شكّل هذا الكتاب مصدرا من مصادر المعلومات التي تغني ثقافة القارئ.

لقد أتاح هذا التنوع الذي بُنيت عليه النصوص أن يقدم الكاتب للقارئ مجمل آرائه وثقافته، فكشف الكتاب عن مصادر ثقافة الكاتب وتنوعها، وعن استفادته من القصص العربية القديمة التراثية والشعر العربي والتاريخ العربي والتراث العالمي السياسي والثقافي.

يوظف الكاتب، وبشكل لافت، الحكايات والأمثال الشعبية واللغة العامية الفلسطينية، فقد زخرت تلك القصص بالتعابير الشعبية الدارجة والأمثال، وقد شكل هذا الجانب ملمحا فنيا عميق الدلالة على أهمية تلك القصص، فغدا الكتاب حاضنا فنيا للّغة الشعبية والمزاج اللغوي للناس وهو ينقل أحاديثهم وحواراتهم في الزواج وفي لعب «المحبوسة» وفي المعاناة على الحواجز، وغيرها.

يعدّ الاهتمام بالثقافة واللغة الشعبية في سياق الأدب الفصيح، وفي مدونة الأدب الفلسطيني خاصة، أمرا ذا دلالة مهمة في ارتفاع هذه النصوص إلى مرتبة المقاومة باللغة، فالشعب الفلسطيني شعب حيّ، له تاريخ، ولغة، وثقافة خاصة شعبية، صنعتها الأجيال عبر التاريخ، عصية على المحو والإلغاء، فالثقافة بكل تنوعاتها ومن بينها اللغة بشتى ألوانها الأدبية هي دلالةٌ على وجود هذا الشعب وتجذره، فهو ليس طارئا أو عابرا، إذ تقف هذه النصوص كائنات حية تحفظ هذه اللغة من الاندثار، وتقاوم المحتل وأساليبه في محو التاريخ واللغة كما يتعمد محو ملامح الجغرافيا.

لقد شكّل الصراع على اللغة في فلسطين جانبا مهما من الصراع السياسي والثقافي، فالأسرلة لم تطل المدن والتراث، بل طالت أيضا اللغة، بهدف إحلال لغة محل أخرى. فاللغة لم تكن في يوم من الأيام وسيلة تخاطب فقط، بل إنها ذاكرة حية للشعب والأمة، ومن هنا ندرك أهمية المحافظة على هذه اللغة الخاصة، وندرك أيضا توجه المحتل، أي محتلّ، في كل بقعة من العالم، إلى استهداف لغة المستعمَرين ومحوها، والشواهد كثيرة، ليس في فلسطين وحدها، فقد حدث هذا في أوطان عربية كثيرة وفي دول العالم المحتلة أيضا.

لقد تنبه الكاتب إلى الصراع اللغوي في فلسطين بين لغتين، عربية أصيلة وعبرية طارئة، مع أنه يذكّر القارئ أن اللغة العبرية ما هي إلا لغة سامية وتشترك مع العربية بمميزات ومفردات كثيرة، ولكن إبراز هذه اللغة كلغة احتلال وإحلال كان دافعا قويا لمقاومة وجودها. يصف الكاتب اللغة العبرية بأنها «لغة سهلة على الناطقين بلغة الضاد، اللغة العربية. مفرداتها وتعابيرها مشابهة للغة العربية»، ويضيف موضحا: «يخال للمرء أن العبرية ما هي إلا مولود صغير وُلد بعملية قيصرية من رحم اللغة العربية الأم»، ويتعدى الحديث عن اللغتين وأواصر العلاقة بينهما إلى ما بين العرب واليهود من أصل مشترك، «فالعرب ساميون مئة بالمئة. وكذلك اليهود» (ص77).

إذاً، المشكلة على ما يبدو هي إدخال اللغة التوأم إلى سياق احتلاليّ صهيونيّ، يحتل الجغرافيا والتاريخ ويعمل على إلغاء الطرف المقابل المحتل، وعمل على سلخ اللغة العبرية من تاريخها السامي، وبذلك أصبحت اللغة العبرية بفعل النظرة الاستعمارية لغةً معادية تنافس في وجودها اللغة العربية، وقد حققت إسرائيل ذلك بسنّها «قانون القومية» الذي لم يستثنِ اللغة العربية من هذا القانون، وكذلك قانون منع الأذان. وقد عبّر محتجّون على القانون آنذاك في العريضة المرفوعة للكنيست عن هذا الهدف بقولهم: «إن القانون لا يسعى إلى (جودة حياة) كما يحاول المبادرون إلى القانون القول، ولا حرية العبادة، بل هو قانون لإسكات صوت المؤذن ومحاولة فاضحة لإسكات العربية وشطبها من الحيّز العام».

ومن الملامح الظاهرة في نصوص الكتاب أيضا سوى الثقافة الشعبية، وحضور مفرداتها وحكاياتها وأغانيها وأمثالها، اعتماد الكاتب على السخرية والفكاهة. فقد اشتملت كثير من النصوص على مقاطع ساخرة أو فكاهية متعددة ضمن سياقها الاجتماعي أو السياسي، وتطال السخرية والفكاهة كثيرا من المواقف في تلك النصوص، ومن ذلك ما جاء في قصة «الجدي الأبرق» التي اعتمدت في كثير من مقاطعها على الفكاهة الشعبية اللطيفة، فمسعود الذي يحلم بالذهاب إلى أميركا يريد أن يعلّم الأميركان شرب الأرجيلة، وتحضير أنواع جديدة من «المعسّل»، ويريد إدخالها إلى اللغة الإنجليزية «حتى نقول إننا نحن أيضا نؤثر في حياة الأميركان وفي لغتهم وثقافتهم، بأنواع متعددة ونكهات متعددة من المعسل الطازج الأصلي». (ص 37)

كما تجنح اللغة إلى الترادف، فيحشد المؤلف مفردات متعددة في سياق واحد، ليخلق اجتماعها مزيجا لغويا فَكِهاً، كما في هذا المقطع: «كانت أولوية المساعد الثالث الأولى والثانية والثالثة والهامة والمهمة والضرورية والقصوى والمطلقة والمفضّلة (والتي لا يوجد منها اثنتان) هي رغبته الأكيدة في أن يوافق الحاجب على اقتراحه وترشيحه للمندوب أو المبعوث إلى إمبراطورية الصين» (ص111). إن ما يُلاحظ على هذا المقطع خلوه من أيّ علامة للترقيم، فالكاتب لا يريد للقارئ أن يلتقط أنفاسه؛ ليحقق رغبته في إحداث ما يريد من السخرية التي جسدتها اللغة بالمفردات المتتابعة دون أيّ وقفات، هي لازمة في غير هذا الموقع، ويخيل إليّ أن الكاتب لو وضع علامات الترقيم لذهب كثير من مراده وهدفه في تحقيق اللغة الساخرة. كما أنه يحقق الفكاهة في بناء النص بجمل مسجوعة متتابعة، كما جاء في القصة نفسها.

ومن الأساليب الفكاهية في القصة كذلك ما جاء من سخرية مشهدية، في تصويره للإنسان الذي يأكل طبق «السيفيتش» البيروفي: «هنيئا مريئا، ولكن والدموع في عينيه، ومنديل من الورق أو القماش طوال الوقت يجفف به أنفه الذي يسيل منه سائل بسبب كون الطبق الشهي حارا، وحارا جدا» (ص116)، ويعيد الكاتب هذه التقنية في رسم مشهد فكاهي آخر (ص120).

ومن أكثر المقاطع فكاهية ما جاء في نهاية قصة «ماريا وعبد الرحيم»، حيث يكتب لعبد الرحيم أحدُ أصدقائه رسالة يخبره فيها عما فعلته ماريا في غيابه (ص202)، فقد صاغ الكاتب تلك الرسالة معتمدا على المفارقة الساخرة ذات اللغة التراثية، ولا يحسن بي أن أقتبس منها أي مقطع، لأن ما فيها من فكاهة لا يتحقق إلا بقراءتها جميعا دفعة واحدة.

لم تكن كل تلك التقنيات اللغوية والسردية التي يوظفها الكاتب في نصوصه خالية من الدروس الأخلاقية، فالكاتب يكتب قصصا واقعية، ولم تكن واقعية فقط، بل كانت في جزء منها حقيقية، فقصة «الصديق المكافح» لم تكن سوى سيرة غيرية أو مقالة عن صديقه الباحث والمترجم عليان محمد الهندي. كما استفاد من أدب الرحلات، والرمزية الاستعارية، كما في قصة «الطائر العجيب». وتناول هموم الناس ومعاناتهم الاجتماعية في صراعهم مع الحياة والفقر، وجانبا من معاناة الشباب المكافحين من أجل العيش أو الدراسة أو العمل.

هذه الواقعية جعلت الكاتب أسير حرْفية الواقع فلم يجنح إلى التلاعب الفني بالحكايات لتكون مفاجئة على نحو يُحدث الدهشة لديه، فمن أجل هاتين الوظيفتين (الدرس الأخلاقي والواقعية) لم يلتزم الكاتب بشروط الفن القصصي، وربما وقعت بعض نصوصه بتناقضات تخلّ بشروط الفن وصنعته، ولعل هذا واضح في قصة «اللص ابن أبيه»، وقصة «حازم الحازم»، وقصة «ضاحية قرطاج»، فقد نسي الكاتب أو تناسى الملف بُنيّ اللون الداكن، فلم يتبين مصيره وأين ذهب، وربما لم يكن سوى حيلة للحديث عن فلسطين في حقبة الستينيات.

لقد ضحّى الكاتب بمادة كان يمكن لها أن تشكل مادة سردية بحبكة قصصية فنية من أجل الدرس الأخلاقي والواقعية المفرطة في التزامها بمادة الواقع التي تعيش خارج سياق النص. ولعل هذه الواقعية هي التي جعلت «ضاحية قرطاج» كتاب حكايات الناس وقصصهم، فقد التزم فيها الكاتب السردَ على نمط الراوي الشعبي للحكايات الشعبية، وانعكس ذلك على اللغة بحيث كانت في مجملها بسيطة، أدت هدف الكتاب ورسالته.