كتاب

الصحة قضية سياسية بامتياز

لم تحظ الصحة بتعريف موحد يتفق عليه الجميع، فالطبيب الممارس يعَرفها على أنها «حالة غياب المرض»، وعالم البيئة ينظر إليها على أنها «حالة التوازن ما بين الإنسان والبيئة»، بينما تعرف منظمة الصحة العالمية (WHO) الصحة بأنها «حالة الفرد التامة من الناحية الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية». ومع كل الاحترام لأصحاب التعريفات الآنفة الذكر فإنني دائماً أذهب إلى المفهوم الواسع للصحة الذي يقوم على أساس أن الوضع الصحي للمجتمعات بشكل عام وللفرد بشكل خاص يتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية مثل تدني مستويات الدخل وسوء التغذية ونقص المياه الصالحة للشرب، وسوء ظروف السكن والظروف البيئية غير الصحية المحيطة، إلى جانب الخدمات الصحية المتاحة للمواطنين.

والصحة بذلك تكون هي نتاج أو مخرج لهذه العوامل والظروف مجتمعة وجميعها إنعكاس للأيديولوجية السياسية التي تتبناها الدولة. ورب قائل يقول إن الصحة والسياسة لا يلتقيان. فالسياسة فن الممكن كما يقال والصحة فن رعاية الجسد والنفس. وهنا أقول لمن يستغرب هذه العلاقة إنها وثيقة جداً وأساسها تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد وما ينفق منها على الفرد في النهاية من إجمالي الأنفاق الصحي (Health Expenditures Per Capita) الذي يعتبر أحد مؤشرات تحقيق المساواة الأجتماعية بين المواطنين في تقديم هذه الخدمة ومدى إلتزام الدولة في تحقيق الرفاه لهم. وهنا لا بد من التمييز ما بين مبدأ المساواة (Equality) ومبدأ العدالة (Equity) فالأول يساوي الجميع بما يحصلوا من كعكة الموارد بغض النظر عن مدى الحاجة للخدمة ومستويات دخل طالبيها وفي هذا مساواة بين الغني والفقير، بينما الثاني فإنه يقوم في المقام الأول على التوزيع العادل لموارد الدولة المخصصة للصحة حسب حاجة السكان في المناطق الأقل حظاً والأكثر فقراً والتي تنتشر فيها جيوب المرض (ill health roots). لذلك يفضل الاعتماد على مؤشر (Health Exp. Per Capita by Governorates) لأنه يشير إلى مدى إلتزام الدولة بالمناطق الأكثر احتياجاً للخدمات الاجتماعية ومنها الخدمات الصحية.

وحتى تنتقل الدولة من مرحلة المساواة إلى مرحلة تحقيق العدالة الاجتماعية فإن على الوزارات والدوائر المعنية بالشأن الاقتصادي والاجتماعي والصحي واجب وطني لتحديد مناطق الفقر والبطالة والأجزاء من الدولة التي تعاني من سوء التغذية والأسكان ونقص المياه الصالحة للشرب وللاستعمال البشري والمشاكل البيئية التي تؤثر على الصحة إضافة إلى نقص الخدمات الصحية والتأشير على خارطة الوطن وعلى خارطة كل محافظة من محافظاته لكي تكون مرجعاً لأطلاق برامج وإستثمارات مدروسة وموجهة حسب قائمة أوليات من شأنها تحسين الأوضاع في هذه المناطق. وهنا تكمن أهمية السياسات التي تضعها الدولة ذات الأبعاد الاجتماعية والتي تعتمد المفهوم الموسع للصحة. وقد أعجبني ما جاء في تقريرالطبيب الألماني (Vircho) عام 1848 حول مرض التيفوئيد الذي إنتشر في منطقة سيليسيا التي أصبحت جزءاً من بولندا عندما قال «إن هذا المرض المستوطن لا يمكن أن يكون إلا في مثل أوضاع الفقر والبطالة والجهل والتخلف ونقص الخدمات الصحية التي يعيشها سكان سيليسيا» حيث وجد أن نوعاً من البكتيريا هو السبب الرئيسي لإصابة السكان بمرض التيفوئيد وقال مقولته المشهورة «إن الطب هو علم اجتماع والسياسة لا شيء سوى طب على نطاق أوسع» وللحديث بقية.