المشاركة الشخصية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين برفقة سمو ولي العهد باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها العادية الحالية بعد زيارة عمل موفقة لجمهورية ألمانيا الاتحادية لها من الدلالات والمعاني برهانا للنظرة الثاقبة لرؤية جلالته للمستقبل باعتباره رسولاً مدافعاً عن السلام الذي يتمناه لجميع الشعوب، وقد ركزت المحداثات الثنائية مع رؤساء الدول المشاركة من الأشقاء والأصدقاء أو أصحاب النفوذ المؤثرة بالقرارات الدولية، على واقع الحلول الوسطية للقضية الفلسطينية المبنية على القرارات الدولية باعتبارها القضية المركزية والمحورية للمنطقة والعالم، مفتاح السعادة للشعوب التي تطمح بالسلام وهي الاختبار الحقيقي لمصداقية الدول المشاركة بالاجتماعات أو المؤتمرات المتخصصة التي تركز بقراراتها ضرورة الحل على أساس الدولتين ولكل منهما نصيب بالقدس الشريف، المدينة المقدسة التي تحتضن بربوعها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة، مدينة مباركة مقدسة لجميع أبناء الديانات الرئيسية الثلاث وتحضى بالرعاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وهذا درس لامتحان الذاكرة وعبرة للاستحقاقات حيث ذكر جلالته: «بصفتي صاحب الوصاية الهاشمية، فإنني ملتزم بواجب خاص لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ولكننا جميعاً معنيون وملزمون أخلاقياً بحماية الحريات الدينية وحقوق الإنسان، لذا دعونا نحفظ المدينة المقدسة لسائر البشرية كمدينة تجمعنا ورمزاً للسلام».
في خطابه الشهير أمام المجتمعين ذكر جلالته بالدور الحيوي الذي يجب على الأمم المتحدة أن تلعبة بالمحافظة على السلم والسلام الدوليين وهو الوعد الذي أنشئت من أجله المنظمة الدولية قبل خمسة وسبعين عاما، وجميع الدول التي انضمت اليها فيما بعد التأسيس تعي جيدا الدور الرئيسي لهذه المنظمة الدولية دون انحياز لطرف على حساب الواقع أو الحقيقة أو بتأثير ضغوطات يمارسها أصحاب النفوذ على حساب الطرف الضعيف حيث ذكر جلالته بالحرف الواحد قائلاً: «وجودنا هنا اليوم يعني اجماعنا على حقيقة بسيطة: وهي أن للجمعية العامة دورا حيويا في مواجهة المخاطر أو اغتنام الفرص التي يتيحها لنا عالمن»، هذه اللغة الصريحة تعطي درسا آخر من دروس الحكمة ويحتم على الجميع القيام بدوره لضمان تطبيق القرارات الدولية بهذا الشأن.
كان جلالته صريحاً عندما حذر من السكوت على الجرائم التي ترتكب باسم الدين والمعتقدات وضربت أصحاب الديانات تحت مسمسيات مختلفة بمرجعية دينية أو فتاوى أطلقها البعض مأجوراً أو مسيساً بوعود مستقبلية حيث الفظائع التي ارتكبت في المساجد والكنائس والمعابد قد هزت ضمير الإنسانية، والذي يجب أن تهزه أيضا الأفكار الإجرامية الظلامية من مختلف الأيديولوجيات التي تدفع إلى ارتكاب هذه الهجمات وغيرها، وتوجب العمل الجاد من الجميع لهزيمة الجماعات التي تدعو رسالتها إلى الكراهية وزعزعة الثقة على أن يكون هناك دور رئيسي وفعال لفئة الشباب المستهدفة لأن فتوى قوى العنف تستقطب الضعفاء وأولئك الذين تم إقصاؤهم، واقع يوجب الالتزام بالشباب وعدم تركهم عرضة للتطرف واليأس، أو سلعة تسويق بين الجماعات المتطرفة والدول التي ترعاها، عبرة جديدة لمن يتعض من عبر التاريخ وفصوله.
الفقرة الأخيرة بخطاب جلالته لخصت الحكمة والعبر والدروس ورصفت طريق السلام بالمحبة والورود بقوله: التسامح والتعاطف والمساواة بين جميع البشر هي القيم التي تجعل الوئام العالمي والعمل المشترك ممكنين. وهذه هي القيم ذاتها التي بني عليها ميثاق الأمم المتحدة: أن نعيش معا بسلام ونلتزم بحسن الجوار، وأن نحترم حقوق الجميع والمساواة بينهم، وأن نجمع جهودنا ونوحد قوانا للحفاظ على الأمن والسلام لتحسين حياة الناس من خلال العدالة والازدهار وتوفير الأمل للبشرية.