ظهر مصطلح المجتمع المدني زمن اليونان وتحدث عنه «أرسطو» ومن بعده أبن سينا وابن خلدون وميكافيلي وكثيرون وبعدها إختفى ليعود للظهور في القرنيين السابع والثامن عشر الميلاديين على يد جون لوك الذي أعاد استخدامه في رسالة التسامح الخاصة به وبدأ المصطلح وأدبياته يدرس على يد جهابذة علم الاجتماع أمثال روسو وهيجل وغيرهم في فترة انتقال أوروبا إلى مرحلة الدولة الحديثة وما بعدها في مرحلة التحول الديموقراطي الذي بدأ أولاً في بولندا عام 1986وتبعتها دول أخرى في أوروبا الشرقية. والمصطلح يعني ببساطة مجموعة المؤسسات المستقلة الطوعية غير الربحية وذات الطابع الاجتماعي غير الحكومي التي تتشكل في المجتمع على يد أفراد أوجماعات مثل الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية والمنظمات التي تعنى بحقوق الانسان والبيئة وأي شأن من شؤونه العامة وهو بهذا يختلف عن الدولة وعن المجتمع المحلي.ويعرفه البعض على أنه مجموعات محلية سياسية (Political Community) تعمل في مجتمع تحكمه حكومة وقانون وسلطه تقوم من خلال المؤسسات المذكورة آنفاً بمشاركات وحراكات مجتمعية وأعمال تطوعية منظمة تحاول من خلالها تأمين حاجات ورغبات معينة للسكان وتحقيق أهدافهم، كما أنها قد تعارض سلمياً السياسات والقرارات والمشاريع الحكومية التي يشوبها بعض الأخطاء ويثار حولها بعض التساؤلات. فهي إذا صح القول منظومة المشاركة الوسطى ما بين المجتمع ككل والدولة. وعادة ما تعنى بالشأن السياسي والأقتصادي والأجتماعي والثقافي ويكون لها حضور ناشط وفاعل يدمج الدولة بالمجتمع.
ومن متطلبات نشوء وأرتقاء المجتمع المدني نمو الوعي المعرفي عند السكان والتطور العلمي في البلاد وأرتفاع مستويات المعيشة وسيادة القانون وأنتشار ثقافة المواطنة وتكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات بين الأفراد وأن لا يكون المجتمع منقسماً على نفسه بسبب الدين والعرق والجنس والمعتقد واللون، إضافة إلى إيمان الغالبية العظمى من السكان بالتعددية وقبول الآخر والتسامح ونبذ العنف وتغليب لغة الحوار دائماً. وهنا أود أن أسجل الملاحظات التالية حول المجتمع المدني:
• تواجد منظمات ومجموعات ضغط مجتمعية تطوعية غير حكومية تعمل بتكامل مع الدولة والمجتمع.
• عادة المجتمع المدني لا يعمل ضد الدولة أو المجتمع كونه مكملاً لأحدها أو لكليهما معاً ولكنه يعمل بطريقة منظمة وبأستقلال تام.
• تعنى مؤسسات وهيئات المجتمع المدني بالشأن الاقتصادي والسياسي والأجتماعي والثقافي ولها حضور نشيط وفاعل.
• دور المجتمع المدني مقبول في كل من النظام الليبرالي والنظام الاشتراكي ولكن كل منهما ينظرإليه بشكل مختلف.
• المجتمع المدني كجسر إلى الدولة المدنية لا يعادي العقائد أو يرفضها بل يأخذ البعد الأخلاقي لها كمحفزللعمل والنجاح في الحياة، ولكنه يرفض «استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية».
• المجتمع المدني يقوم على مصفوفة ثلاثية المبادئ قوامها المشاركة المجتمعية والسلطة الدستورية والمسؤولية الأخلاقية.
ونستطيع هنا أن نحدد الدور المؤثر الذي يلعبه المجتمع المدني بمؤسساته وهيئاته ومنظماته المدنية المختلفة في حياة الأفراد والجماعات بما يلي:
• وحدات المجتمع المدني أداة لحماية الحقوق والمصالح وتحقيق الرفاه العام للشعب.
• لها دور إيجابي أيضاً في توعية وإيقاظ وتفعيل مشاركة الناس في العملية الديموقراطية وإثارة إلتزامهم بالعمل الديموقراطي الحر وتعريفهم بواجباتهم وحقوقهم.
• المجتمع المدني لازم وضروري حتى في الدول غير الديموقراطية والديكتاتورية وذلك كمرحلة تسبق التغير السلمي في هذه المجتمعات نحو الديموقراطية كما حدث في باكستان وتونس ومصر ومؤخراً في السودان والجزائر.
• المجتمعات المدنية تدعم وتتعاون في قضايا حماية حقوق الإنسان وحماية البيئة والحريات الأخرى.
وهنا أتساءل في عالم الأيديولوجيات الشمولية سواء منها الدينية أو القومية هل سنشهد تغييراً أو إعادة نظر في ثوابت ومعتقدات وخطاب هذه الأيديولوجيات بالنسبة لمفهوم الدولة وخصوصاً بعد أن أصبح ظاهراً للعيان مدى تقدم وإزدهار المجتمعات المدنية وتخلف غيرها عن الركب الحضاري.
أما نحن في الأردن فلا نزال نجاهد مع جلالة الملك عبدالله الثاني الذي أكد في إحدى أوراقه النقاشية على مفهوم الدولة المدنية التي تتعرض إلى بعض اللغط والتشويه، وهذا يعود إلى قصور في إدراك مكوناتها وآليات بنائها من قبل منتقديها والمتشددين الذين يوجهون سهامهم إلى نحرها دون تحليل علمي لحقيقة مكنوناتها متناسين أن أهم مبادئها الأحتكام للدستور والقانون والمواطنة المتساوية دون تمييز لأي سبب في دولة المؤسسات والتعددية وقبول الآخر وضمان الحريات والحقوق والفصل والتوازن بين السلطات. وهذا هو جوهر الدولة المدنية بعيداً عن استنساخ حكم الملالي وطالبان وتنظيم الدولة الإسلامية وكل الأيديولوجيات التي تعادي الدولة المدنية من حيث المبدأ.
المجتمع المدني.. الطريق الواضح المعالم للتغيير
11:00 26-9-2019
آخر تعديل :
الخميس