كتاب

الهدوء.. مفتاح الفرج !!

كنّا عندما نهمس فيما بيننا من تحت البنك الخشبي الذي نجلس عليه طلّابا في إبتدائي, كان المعلّم ينظر بحزم وحنان يتفحّص الوجوه، ويقول، وبصوت هادئ ينساب في ردهات الغرفة حتى أسماعنا الصّغيرة الطريّة اللدنة لكن القويّة «هدوووء»! كنّا نشعر بالحنان بالحزم بالمحبّة بمدى حرص معلمّنا على مصالحنا حيث ينبّهنا يوجّهنا ويصحّح أخطاءنا برويّة وحزم.

نحن الآن في همس بيننا, وقد أصبحنا كباراً. البعض منّا لم يفقه الدّرس يوم أن كان طفلاً يهمس خلال الحصّة فيبادر أستاذنا وظهره نحو اللوح وهو يعرف من همس إلى اصدار التحذير بـ. «الهدووووء»؛ فيصمت الكلّ, لأنهم كانوا يعرفون ما وراء «الكلمة» إذا ما صدرت من المعلّم ولم يلتزم به المشاغب.

بعد الحصّة. يستدعي المعلّم الطالب كثير الهمس كثير الحركة إذا ما تكرّر همسه وازدادت حركته. يسمع منه, يوجّهه أو يؤنّبه إن كان قد تكررّ همسه أو لمسه بلا سبب معقول يدفعه لذلك أو؛ قد يستدعي وليّ أمره لمعرفة ما قد يكون لدى هذا التلميذ من ضغوطات تدفعه للمشاغبة وعدم الالتزام.

كان ولي الأمر يهرع يسارع إلى المدرسة. ينتظر المعلّم حتى يتفرّغ له و يسأله بهدوء, عن الموضوع. كان المعلّم يجيبه وبهدوء على ملاحظاته, وما يسببّه التلميذ له من حرج في حصّته. تنتهي الخلوة. يفهم ولي الأمر ما يعانيه الأستاذ ويعرف المعلّم ما هي معضلة التلميذ. في المنزل يحاول الأب والأم أن يجدا حلا لتصرّفات التلميذ و... بهدوووء.

يداوم التلميذ في اليوم التالي وقد تورّد وجهه وعلت ابتسامته, فقد وجد اهتماماً من أهله ومن معلّمه وهذا ما كان ينقصه. تلك كانت المعضلة. يداوم المعلّم وقد وجد مع وليّ الأمر حلًا لمشكلته ومشكلة التلميذ بلا عنف بلا تجبّر بلا (زيطة وزمبليطة). يرتاح المعلّم ويرتاح وليّ الأمر من مشكلة آرقتهما، ويفوز التلاميذ.

يبتدئ المعلّم الدرس بهدوء. يسأل التلميذ عن موضوع الدرس بهدوء، يقف التلميذ بهامة مرفوعة وأذان صاغية ويجاوب بصوت جهوري طفولي في حجم رجل صغير، ملؤه الثّقة بالنفس والمودّة لأهله ومعلّمه وزملائه, كان صوته عالياً واثقاً لكن...بهدووووء.

دعونا نفرض المدرسة «ساح الوطن». هناك الطلبة «المواطنون» وهناك المعلمون، «حكماء القوم» وهناك وليّ الأمر. لماذا لا نناقش الأمور بهدوء، بصوت خفيف ظريف لطيف يكسبنا مودّة وثقة الجالس أمامنا فيرتخي لمطالبنا ويلبي ما في استطاعته منها، بلا تشنّح بلا فوقيّة بلا سبق إصرار على أن نهزم من هو أمامنا... وقد يكون بيده الحلّ لمشاكلنا. هو «الهدووووء» بالنّفس بالجسد وباللسان من يفتح لك أبواب الحلول والسّعادة. فلنجرّب ذلك.