قبل اعوام كثيرة, كان لدينا راديو ومسجل ماركة (توشيبا), وكنت أحب أن أسمع محمد عبدالوهاب (هان الود عليه).. وأكتب لحظة استماعي رسالة غرامية إلى ليلى، رسالة من النوع الحاد, وأعلمها بانتهاء العلاقة بيننا.. وأبرر لها انسحابي, والإرهاق الذي احتلني نتيجة تبعات هذه العلاقة المستحيلة.. من هي ليلى؟ لا أعرف.. ولكني كنت أرسم حبيباتي في المخيلة, وكل يوم أهجر واحدة.. لدرجة تعب فيها خيالي من الحب.
أتذكر أني ذات يوم, قمت بشراء (6) بطاريات, وصعدت لسطح منزلنا حتى يلتقط الراديو إشارة بث إذاعة بغداد, فقد أعلنت الإذاعة عن بيان مهم وخطير سيصدر للأمة والشعب العراقي.. وبقيت أكثر من ساعتين بانتظار البيان, وقتها كان كل شيء له رائحة قومية.. الراديو وأسلاك الهاتف, ومدير المدرسة, حتى زيت الزيتون الذي نغمسه في الصباح كان قوميا أيضا.. لحظات وظهر المذيع مقداد مراد, وبدأ يصدح.. كانت لغته أشبه بالعسل الذي يقطر في فمك, وصوته لم يكن صوت مذيع بل كان طلقات مدفعية لا تخطئ الهدف.. ما زلت أذكر نبرته وهو يقول: (وأنتم أيها الشهداء.. يا أسياد النصر وساريته العالية).. وقتها نسيت حبيباتي اللواتي نسجتهن في خيالي, نسيت الرسائل.. وحضر العراق, فقط العراق.. كان التاريخ وقتها 8 آب وهو تاريخ انتهاء الحرب وقبول إيران بوقف إطلاق النار.
رحل مقداد مراد, الذي أذاع أغلب بيانات الجيش العراقي, وأتذكر أني سجلت له ما يقارب الـ (100) بيان.. وتعلمت, منه كيف تكون اللغة قذيفة, وأثير الإذاعة ميدان منازلة.. لا يخسر الحب فيها.
زمان كان المذيع ينتقل من جبهة لأخرى, ومن موقعة لأخرى.. اليوم تغير المشهد فالمذيع ينتقل من مرايا محاطة بالأنوار لأخرى, ومن مكياج لا يعلق على القميص.. إلى مكياج لا يتسبب باللمعة.. ومن صراف آلي إلى صراف اخر.. ونحن علينا أن ننشغل بحروب المرايا, وحروب المكياج..
Abdelhadi18@yahoo.com
حروب المرايا
11:00 2-9-2019
آخر تعديل :
الاثنين