كتاب

عبدالباسط..

.. مات عبدالباسط الحباشنه, الموظف في أمانة عمان أمس.. وأنا لا أعرف في هذه المرحلة, لماذا يغادر أصدقائي الحياة.. بالجملة, كأنهم كرهوا العمر كله؟

أنا وعبدالباسط درسنا سويا, من الصف الأول الإبتدائي وحتى الأول إعدادي, في نفس الصف ونفس المدرسة, وجلسنا على نفس (الرحلاية).. وبعد عمر من التعب, عدنا لكي نلتقي في أمانة عمان.. لكن ليس على نفس (الرحلاية), وإنما على موجة من القلق والتعب وظلم المدى والناس..

كل يوم كان يأتي إلى مركز الحسين الثقافي, حين كنت مديرا له.. ويسرد لي ما حدث في قريتنا (الربة) والتي غبنا عنها بحكم العمل, ويخبرني بمن مات ومن عاش، يخبرني بمن تزوج.. وبمن طلق, ويسرد لي حكايات الكرك, هو لم يترك الكرك ظل يعود إليها.. كل يومين أو أكثر, وأنا انقطعت عنها دهرين وأكثر.. لكن قلبي جذوره ظلت مزروعة هناك لا تخلع ولا تمحى.

مات عبدالباسط, الذي لا يتوقف عن الحديث.. والذي دائما كان يذكرني بقصة صفعة تلقيتها من أستاذ التربية الإسلامية, لأني ضحكت أثناء الحصة, وكيف بقيت أياما.. أحاول أن أسترد السمع في أذني..

مات عبدالباسط, واخر ما كتبه على صفحته في الفيس بوك: (اللهم إني اودعتك نفسي..), وكأنه تعب من شقاء هذه الدنيا, وتعب من الصد ومن محاولاتنا البائسة, بوضعه رئيس قسم في الأمانة, ومن محاولاتنا الفاشلة أيضا, بالتصدي للحياة..التي همشتنا, وحطمت جدران القلب.. وأودعتنا الريح, كي تطفيء سراج القلب.

ها قد فرغت من قراءة الفاتحة عليك يا عبدالباسط.. الكركي, والأردني, والنشمي.. وأنا لن أسرد للقاريء, قصة قيامك (ببطحي) في الصف السادس أثر مشاجرة عابرة, وقد أوجعت أذني حين كنت تزورني على مركز الحسين, لكثرة ما سردت القصة لي, ولكثرة ما ناديتني (ابو البطحات).. ولكني سأسرد للقاريء, قصة فتى كركي: أطيب من فناجين القهوة كلها, وأشهى من قمح تفتق بعد سنوات من المحل, وأزكى من عسل اليمن حين يقطر على شفاه, من سكنت حضرموت وسبى جمالها الخناجر قبل العيون.. سأسرد للناس أنك قمت (ببطحي) مرة أخرى هذا الصباح, حين قررت الموت.. والموت قرار نعرفه نحن الجنوبيون المعتقون بالحزن والشوق والرحيل, (بطحتني) يا أخي وصديقي.. وأسكنتني زوايا الدمع.

عليك الرحمة.. وتراب الكرك, أدري أنه سيستردني ذات يوم مثلما استردك.. أدري.. وأعرف أنه سيكون أحن علينا من تعب الوظيفة, وشقاء العمر.. واليأس من الرحلة والمصير..

فكن حنونا على عبدالباسط يا هذا التراب.

Abdelhadi18@yahoo.com