يلاحظ دون عناء الفرق الشاسع بين سلوكنا على أرض الواقع وحديثا النظري عن الرقي والتقدم؛ نفرح ولكن نؤذي الآخرين بسلوكنا للتعبير عن ذلك، نمتلك أفخم وأرقى السيارات ولكن لا نقود المركبات بإتقان، نرتدي أغلى الملابس ولكن لا نتصرف بأدب واتزان.
أمثلة عديدة يمكن الإشارة إليها وفي جميع المجالات والأدهى والأمر من ذلك هو الإصرار والثقة بان ما نصنعه هو السليم وان من الواجب مخالفة النظام وقواعد السلوك والأدب وحسن الجوار والزمالة والصداقة.
موقف بسيط وعفوي يكشف عن جوهر الناس؛ حادث سير ينطلق إلى مواجهة وصدام وتجمهر وشرارة تؤدي فيما بعد إلى أزمة خانقة على الشارع العام وتفاصيل أخرى تثبت مدى التناقض الواضح بين ما نعلنه ونخفيه.
قبل فترة ليست بالقصيرة حدثت مشاجرة بين «دكتور» جامعي وشاب في مخبز، تصاعد الموقف إلى تشابك وتراشق بالكلمات وتدخل الناس لفض النزاع لكن تجددت المعركة خارج المخبز دون جدوى للاعتذار وحل مشكلة من يسبق لدفع ثمن كيلو خبز قبل الاخر.
ننظر كثيرا عن معنى الرقي والتحضر دون ممارسة فعلية على ارض الواقع تماما كما نفعل عندما نتحدث عن الانتماء ويثبت مراجع عادي لموظف أن ذلك ليس صحيحا على ارض الواقع عندما ينشغل عن أداء وظيفته وإتمام الخدمة للمواطن بشكل مناسب.
ترى يمكن الارتقاء بمستوى تعاملنا وسلوكنا مع أنفسنا وقناعاتنا مع الآخرين ومع الحقوق والواجبات وترجمتها على ارض الواقع من خلال ممارسات بسيطة وليس من الصعب العثور عليها لتطبيقها ؛ يكفي التدبر قليلا في بداية النهار وحصر ما يمكن عمله دون ضجيج وضوضاء وبعيدا عن المبالغة والتنظير وتطبيق ذلك على أرض الواقع؟.
وصل البعض إلى درجة من التشاؤم واليأس من إمكانية رقينا وتطورنا نتيجة التراكمات في النفوس، بل وصل البعض إلى درجة من الثقة بان الرحيل والغربة هي الملاذ للحل.
ثمة بون شاسع بين جوهرنا الأصيل وبين أسلوب تربيتنا المعاصر وبين طريقة معالجتنا للأمور ويمكن اختصار ذلك كله بسؤال صريح: فعلا ماذا نريد؟