لا أدري لماذا كلما سمعت كلمة (ناشط) تذكرت عناصر الجدول الدوري وتحديداً (الفلزات) وعلى ما يبدو بأن الموضوع مرتبط بذاكرة دروس الصف السادس الابتدائي فلقد كان الاستاذ يعلمنا بأن الفرق بين (الفلز) و(اللافلز) هو طبيعة النشاط فكان يقسم الصف إلى جزءين الأول يجلس في المقدمة وهم (الأقلية) ويشتمل على الطالب كثير المشاركة باعتباره (فلز) أما (الأغلبية الصامتة) فتشتمل قوائمهم على الطالب الخامل وكان استاذ العلوم شعبان يجلسه بالصفوف الخلفية..
كان الأستاذ شعبان مربي الصف شخصاً مهذباً وما جرح يوماً مشاعرنا، فلم يكن تصنيفه مثلاً قائماً على (الشاطر والكسول) بل (الفلز واللافلز) إلا أن ما يحيرني أنه كان يجلسني في درج بالمقدمة بجانب أضخمنا حجماً (عبود أبو راس) بالرغم أننا لسنا (فلزات) وكان معنا (فادي وجون ونارت) ولأن الفلزات خاملة فلقد كان الأستاذ يستل عصاه بخفة ويقتحم الخطوط الخلفية في محاولة لتنشيط (اللافلزات) ولم نكن نجرؤ على الالتفات للخلف لكننا كنا نسمع (طرقة) عصاه على جلد (خلف وجابر وسعد) وكنا نميز من حظي بشرف لسعة الاستاذ من صوت آهاته وبعد الدرس كنا ننهض للكشف الحسي وتهنئة المطروق بالسلامة..
لم يمض وقت طويل لأكتشف بأن سبب وضعي بالمقدمة كان لأسباب (إنسانية) باعتباري قصيراً ومن (الأقل حظاً) بالطول أما (عبود أبو راس) وبالرغم من ضخامة حجمه وشغله الشاغل في كتابة رسائل العشق لاسماء فتيات كثر كان ينساهن، إلا أن له وضعاً خاصاً حيث تبين أنه من أقارب المدير، وفي أحد الأيام حصلت أزمة بسبب دعوتنا للمشاركة في بطولة كروية حيث جاءنا الأستاذ ودعا (فادي وجون ونارت) للفريق والذين اعتذروا لانشغالهم بالدراسة فتصدى للموقف (عبود أبو راس) واختارني مع (خلف وجابر وسعيد) وقد حققنا نتائج مبهرة صدمت الجميع وتبين أن (عبود) ليس من تنابلة السلطان بل (بلدوزر) دفاع لم يجرؤ أحد على تخطيه حتى تم طرده (لدفاشته) وأنني قصير مكير في الهجوم وأن باقي أولاد الصف (لعيبة حارات) وأن (خلف) كان لاعب (الليبرو)..
بعض الأشخاص مثلي أنا و(عبود) خدمتهم الظروف ليكونوا بالصفوف الأولى مع فارق أنهم تخلفوا في أزمات الوطن لأنهم لا يملكون مهارة (عبود) بالعشق وأعرف شخصاً مثل (خلف) بعيداً عن الأضواء لكنه مؤثر جداً في السياسات الإعلامية ورغم عبقريته إلا أنه يعمل بصمت ويرفض أن يوصف بأنه (ناشط سياسي) أو (إعلامي) كونه يستشعر مقدار المسؤولية الأدبية والقانونية في إسقاط هكذا أوصاف على نفسه، لكن ماذا نقول عن مئات الأشخاص الذين يتنطعون للإعلام خارج الجسم الصحفي المؤسسي خصوصاً في تطبيقات التواصل الاجتماعي ودون أدنى مسؤولية أو فهم أو تقديرات سليمة!!؟