هل انتهي عهد الرّق في العصر الحديث؟ الواقع انه لم ينته رغم كل ما يقال حوله، مازالت مظاهره الشائنة تملأ الدنيا من حولنا.
في العصور القديمة كانت الحروب مصدراً للرّق. أما اليوم فإن القوى الاستعمارية –وكما يورد الدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابه «الرّق، ماضيه وحاضره»، عالم المعرفة، الكويت- «استبدل الاسترقاق بالتبعية الاقتصادية والسياسية. فبالتبعية الاقتصادية تمارس الاستعمار بالتجويع، وبالتبعية السياسية تمارس الاستعمار بالتخويف، وكلاهما الوجه الثاني لاسترقاق الشعوب». (المرجع السابق ص 313)
أليس هذا هو الحاصل فعلاً؟ ألا تُقاد الشعوب بخياشيمها من خلال «التجويع»؟ اليس هذا نمطاً آخر من الاستعباد؟
في كتابه يورد المؤلف عبارة ذات دلالة عميقة للكاتبة الأميركية (سوزان جورج) وردت في كتابها «كيف يموت النصف الآخر من العالم). تقول جورج: «ان الجوع يتفاقم أمره في العالم الثالث، إن القوى السياسية بما تملك من قوة مخيفة، وما توافر لها من موارد غذائية ضخمة، تعمل لتكييف شعوب العالم على هواها. تُشبع من تشاء، وتُجيع من تشاء». (المرجع السابق ص 313)
وبلسانه يقول المستر بوتز Buts وزير الزراعة الأميركي الاسبق، «إن الغذاء هو سلاح وأداة قوية في سياستنا».
ما يحدث في عالمنا اليوم صادم ومخيف. «التجويع» سلاح في يد الأمبريالية العالمية تُشهره في وجه أي بلاد نامية تتمرد السلطة فيها على وسيلة القهر هذه. الأمبريالية بغطرستها تريد التحكم في مصير المعذبين في الأرض!
وحقاً ما يقوله مؤلف الكتاب من «ان جذور الرّق تنمو في الفقر». وحتى نقضي على هذا النوع الجديد من الرّق لا بد من إشباع الجائعين لنحررهم من استغلال الأقوياء.
«الغذاء» والتحكم فيه هو الذي أدى ويؤدي إلى تجويع الملايين في العالم.
ومع الأسف فهناك سلطات محلية في كثير من المجتمعات النامية تمارس هذا النوع من الاسترقاق خدمة للطبقات البرجوازية في بلدانها.
من هنا أقول: إن الاسترقاق لم ينته في عالمنا، مازالت تجارته رائجة في ظل غياب القوانين الدولية الرادعة والتي إن وجدت تظل حبراً على ورق.
أتساءل أخيراً: كيف يزعم عالمنا «التحضر» ودوله المتقدمة والغنية لا تتورع عن «تجويع» شعوب بأكملها إذا ما رفضت نظمها الحاكمة إملاءات هذه الدولة الظالمة!