كتاب

عامود جرش..

إن شريط الذكريات يعيدني إلى أوائل أعوام الستينيات حيث كنت قائداً لإحدى وحدات سلاح الهندسة الملكي... عندما تلقيت أمراً من قائدي قائد سلاح الجو الهندسي الملكي العميد الركن المهندس عبد الهادي المجالي آنذاك بالاشتراك (بالعمل الوطني) لمساعدة دائرة الآثار العامة للبحث عن الأعمدة والتيجان في آثار جرش المطمورة تحت الأرض بسبب الزلازل وإعادة نصبها بشكل آمن... وبكل اعتزاز فقد تمكن نشامى سلاح الهندسة الملكي وفريق دائرة الآثار العامة برئاسة مديرها النشيط آنذاك السيد عوني الدجاني من الكشف عن جميع تلك الأعمدة الضخمة والت?جان المزخرفة الجميلة الساحرة وتم نصبها في أماكنها الحالية وكذلك تم الكشف عن البركتين المطمورتين آنذاك..

وأذكر أن رئيس الوزراء المرحوم وصفي التل آنذاك قد زارنا في منطقة العمل في آثار جرش ومعه مدير دائرة الآثار العامة عوني الدجاني حيث أعجب دولته بسير العمل.. وقد بهرته تلك الأعمدة وتلك التيجان المزخرفة الجميلة الساحرة والتي لم يستطع الزمن محو روعة جمالها وببديهة سريعة وبعمق حبه لتراب هذا الوطن وإعجابه وعشقه لآثار جرش العريقة.. فقد طلب دولته منا أن نقوم بنقل (عامود ضخم) مع تاجه المزخرف إلى مدينة عمان والعمل بتثبيته بشكل آمن بمنتصف الجزيرة الواقعة أمام سوق الصاغة الحالي وفعلاً قمنا بإحضار الناقلة المناسبة والآليا? العملاقة وتم نقل ذلك العامود بكل حذر ونصبه في المكان المقرر. وقام محمد علي بدير والفنيون من شركة الكهرباء الأردنية بتسليط الأنوار الكهربائية الساطعة على ذلك العامود..

وتسابق العمانيون والأردنيون والسياح العرب والأجانب لمشاهدة ذلك العامود الرائع وتاجه المزخرف الساحر وأخذوا الصور التذكارية العديدة بجانبه وهم يشعرون بمتعة عبق التاريخ وعراقته.. وثم ما لبثت وزارة وصفي التل أن قدمت استقالتها حيث عهد إلى دولة السيد بهجت التلهوني بتشكيل وزارة جديدة.. وبعد فترة تلقينا أمراً بإزالة ذلك العامود وإعادته إلى مكانه في مدينة جرش.. وفي سكون ذلك الليل تم نقله بكل حذر وإعادته ليكون شامخاً بين تلك الأعمدة الشامخة الخالدة.. وبعد فترة قدمت تلك الوزارة استقالتها.. حيث عهد إلى دولة المرحوم وص?ي التل بتشكيل وزارة جديدة.. حيث تلقينا أمراً بإعادة ذلك العامود مع التاج المزخرف ونصبه في نفس المكان السابق في منتصف مدينة عمان.. وتسابق نشامى سلاح الهندسة الملكي وفريق دائرة الآثار العامة بتنفيذ المهمة ونحن مرتاحون ومتأكدون هذه المرة بأن هذا العامود سيبقى ثابتاً شامخاً في منتصف مدينة عمان الغالية إلى الأبد ليحكي حكايات المجد والسنين للأجيال الصاعدة..

لكن المرحوم وصفي التل قدم استقالة وزارته وعهد إلى رجل آخر بتشكيل وزارة جديدة.. وفوجئنا هذه المرة (بسرعة الأوامر) من اليوم الأول لإزالة ذلك العامود وإعادته إلى مدينة جرش العريقة.. وفعلاً تم تنفيذ الأمر وتمت إعادة ذلك العامود ليبقى شامخاً بين أقرانه من تلك الأعمدة في مدينة جرش التاريخ..