أفردت جريدة الرأي الغراء في حزيران الماضي تقريرا مفصلا تحت عنوان «معضلة المستشفيات الحكومية» أعده مشكورا فريق الرأي الذي استطاع بحق توصيف المشهد وتدوين الأعراض والمعاضل المتشابهة يواجهها المرضى وذووهم في معظم المستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
الأكتظاظ في أقسام الطوارئ وعيادات الأختصاص, نقص القوى البشرية وخصوصا الأطباء والتمريض, نقص العلاجات والمستلزمات والأجهزة الطبية, عدم توفر بعض الاختصاصات الطبية, طول مدة الانتظار وقصر مدة المعاينة وبعد المواعيد, قدم بعض المستشفيات وعدم وجود صيانة مستمرة لمرافقها, عدم توثيق السيرة المرضية للمرضى والاعتماد على ميزانية المحافظة في الصرف.
فإذا كان هذا هو واقع معظم المستشفيات الحكومية في الأردن فإنه يؤشر بوضوح إلى مشاكل إدارية مزمنة في المركز الرئيسي للوزارة تنعكس سلبا على المديريات والمراكز الصحية والمستشفيات التابعة لها أعزو أسباب استمرارها لما يلي:
• تفشي البيروقراطية في ممارسة أعمال الوزارة وتركيزمعظم السلطات في المركز الرئيسي للوزارة رغم التوجه الحكومي نحو اللامركزية.الاستمرار في التوسع الأفقي والعامودي في الخدمات والأبنية والأسرة دون وجود مقومات إدارية وفنية ومالية لتشغيلها وإدارتها.
• اعتماد النظام الصحي الحكومي في الأردن بشكل كبير على المستشفيات كخط دفاع أولي عن المرض (First Point Of Contact ) وهذا يسبب الاكتظاظ ويرهق الأنظمة الداخلية للمستشفيات ويحبط كوادرها الأدارية والفنية.
• إهمال منظومة الخدمات الصحية الأولية وعمودها الفقري الطبيب العام (General Practitioner) أو طبيب الأسرة.
• افتتاح وتشغيل المستشفيات دون خطة تشغيل وموازنات بشرية تحدد حاجة كل مستشفى فتلجأ الوزارة الى أسلوب المناقلة للموظفين من مستشفى عامل أصلا يعاني من نقص إلى مستشفى قيد التشغيل.
• إهمال مهنة إدارة المستشفيات وتهميش دور أصحابها كليا إلى درجة إسناد مهام بسيطة لبعضهم كفحص نظرالسواقين بدلا من الاستفادة منهم كمساعدين أو مدراء إداريين في المستشفيات.
• عدم إيلاء موضوع الخدمات العامة (الخدمات الفندقية والصيانة الطبية وغير الطبية وصيانة الأبنية والمرافق) في الوزارة الاهتمام اللازم تنظيماً وإدارةً مما انعكس على مستوى الخدمات المقدمة.
• كثرة التغييرات في منصب الوزير مما يجعل استمرار تنفيذ أي استراتيجية صحية أو خطة موضوعة أمرا صعبا.
وعليه فإن الحلول لمعضلة المستشفيات الحكومية لا يكون بتغيير وزير أو بإضافة مبنى هنا أو مستشفى ومركز طبي هناك ولا بإسلوب الفزعة بل من خلال جملة من الإجراءات الحاسمة تأخذ مساراً شمولياً عقلانياً في التخطيط مدعوماً بإرادة سياسية تتضمن إعادة هيكلة وزارة الصحة بمديرياتها المختلفة من الناحية التنظيمية, كذلك إعادة هيكلة مستويات الرعاية الصحية الثلاث وتحديد دورها ومؤسساتها ومناطق اختصاص كل منها، والمؤسسات العلاجية المرجعية في كل منطقة سكانية، وموازناتها البشرية وخرائط وجودها ونواقصها من حيث المؤسسات والكوادر والأجهزة وآليات التعاون وتحويل المرضى في ما بينها، ومشروعية المعالجة فيها. وهنا لا بد من التكامل مع القطاع الخاص وتشجيعه على الاستثمار في المناطق التي تنقصها الخدمات الطبية وتوقيع عقود لشراء خدماتها. وفي الختام أقول إن عملية إعادة التنظيم هذه قد تأخذ عدة سنوات لإنجازها ويفضل إخضاع مؤسسات القطاع العام جميعها لإعادة الهيكلة، ويمكننا الاستفادة من التجربة التركية لإحداث الثورة البيضاء في القطاع الصحي التي يطالب بها الأستاذ زياد الرباعي في إحدى مقالاته في جريدة الرأي الغراء.
إستشاري إدارة مستشفيات وتخطيط صحي