كتاب

هل تشن أميركا حرباً «عسكرية» على إيران؟

لا أظن أحداً ولو حدّق في الفنجان أو في كرة الكريستال أن يقول بتيقُّنٍ أن «حرباً عسكرية» ستشتعل «الآن» بين أميركا وإيران. إلاّ إذا غَلَبَ الجنون وغاب الحساب الاستراتيجي، وحتى الحساب التكتيكي، عن مُشْعِلها. سواء أكانت الإدارة الاسرائيلية المستفيدة الأولى والمُحرِّضة على إيران أو حلفائها في أميركا والغرب، أو حتى إيران جراء خطأٍ في حساباتها.

أولاً: هناك حقائق وأهداف تكتيكية ضمن إستراتيجية، حصدها خصوم الأمة العربية والإسلامية خلال العقد الماضي، وبالذات منذ عهد الرئيس الأميركي ترمب. أهمها أنهم حققوا، ولحدٍ كبير، تحويل معادلةِ العداء والخصومة Diversion quation، والإنشغال، والهم، في منطقتنا، وربما العالم. من عداء عربي فلسطيني إسلامي مع المحتل الاسرائيلي، إلى عداء مع إيران. وهذا حصاد للخصوم وفائدة، تمحوه أية حرب عسكرية تُهزَم فيها إيران كخصم وكفزاعة للعرب.

ثانياً: إن بقاء إيران كخصم، وكما صُوِّرت للأمة العربية، طامعة في السيطرة على المنطقة والخليج بالذات ( كان ذلك دور خصص للراحل شاه إيران قبيل إنتهاء فترة صلاحيته)، فيه حصاد للخصوم أيضاً من حيث إستمرار اعتماد دول الخليج على الخارج للدفاع من جهة، وإستمرار وتعاظم طلب المنطقة على التسليح المتصاعدة فاتورته مالياً، لإرتفاع مُدخلات التكنولوجيا فيه، وفي إدارته، وفي صيانته.

ثالثاً: إنني أعتقد أن قوة إيران العسكرية الآن، رغم الحصار المادي، هي أعظم ثقلاً ونوعاً عن إيران أيام حربها مع الرئيس صدام. خاصة أن روسيا جارتها. كما أن لإيران خلايا نائمة منتشرة في المنطقة وفي بلدان الخليج وغيرها، هي خلايا نوعية دفاعية وهجومية فاعلة ومكملة للجيش الإيراني. ولا أعتقد أن أميركا، وقبلها، إخوتنا في دول الخليج غائبين عن هذه الحقيقة. فحسابات الضرر جسيمة على إخوتنا في الخليج، حتى وإن غُلِبت إيران عسكرياً في معركة واحدة. فالحكمة والحسابات عند إخوتنا متوفرة وكفيلة بإدراك هذا والتحوّّط وتجنب «التوريط» والدفع من قبل أية طرف. فالمُوَرِّطُ هو المستفيد في حالة شن الحرب وما يتبعها من عطاءات لشركاته.

رابعاً: إن إعتماد أميركا المتناقص، وبتسارع منذ عقدين، على استيراد النفط من دول الخليج والخارج، سبب كابح لأميركا لأية مغامرة عسكرية مباشرة مع إيران. لقد إنخفضت نسبة استيراد أميركا من النفط من 16%–إلى ما دون 3%. فبديلها إنتاجها الداخلي المُحَرَّر من القيود البيئية، من الغاز والطاقة البديلة النووية. فبديل الحرب العسكرية وجلّ إهتمامها، إذن هو استمرار تمتع الخصم، سواء اسرائيلي أو أميركي بمزايا حالة عدم التيقن–Uncertainty. وأجتهد فأقول، بناء على محصلة الأحداث، ان إستقرار المنطقة لم يعد ذا أولوية عند الخصوم، ناهي? عن الحصاد التكتيكي الاستراتيجي الماثل أمامنا–في تحويل العداء مع المحتل لأرض فلسطين الى عداء مع إيران، Diversion وتعميق الفتنة البينيَّة العربية، والفتنة البينية الإسلامية؛ وعطاءات تصدير أسلحة وكلف حماية وصيانة، وإستمرار هجرة المال العربي والاستثمار الى البنوك الكبرى. لذا فاللجوء إلى بديل أسلم safer Option هو خيار أفضل للخصوم بل منطقي وماثل أمامهم: تجنب تورط جنود وعسكر اميركي، فهو خيار منسجم مع وعد الرئيس الأميركي لناخبيه؛ فعين الخصوم الآن أكبر على خزائن السيولة وحصاد بيع النفط، من خلال حماية التدفق التجار? في المضائق والحصار الاقتصادي، لا التمترس الكثيف ولا التورط العسكري المباشر؛ ومن خلال تحالف دولي؛ وبالتوازي إغراء إيران بالتفاوض مباشرة أو من خلال جيرانها روسيا وتركيا؛ وإشعار الحلفاء الأوروبيين أن أميركا هي وليّ الأمر لتجَمُّعُهم، وحامية لهم ولتجارتهم. ويصاحب ذلك الكسب الزمني، والإبقاء على حالة عدم التيقن Uncertainty. وهذا يبدو خياراً ماثلاً أمامنا. إلا إذا غُيِّبت الحكمة والحسابات.

bkhsaket@icloud.com