هذا ما يقوله الكاتب والمؤرخ العالمي ستيفن غرين في كتابه المترجم للعربية «الانحياز» والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت. يقول: «على الرغم من اعوام التعاون بين بن غوريون مؤسس اسرائيل وبين موشيه شاريت أول وزير خارجية في اسرائيل فقد كانت بينهما فروقات فلسفية عميقة.
شاريت درس تاريخ الاسلام وحضارته وساسته وكان رأيه ان أعداء اسرائيل هم أمة أبية مرهفة الحس وان التسوية معها ضرورية اذا اراد اليهود العيش بسلام وازدهار في الشرق الأوسط». (المرجع السابق ص 80)
على العكس من ذلك كان بن غوريون «رجلاً انتقامياً»، كما وصفه المؤلف، لا يؤمن «بالسلام» بل بطرد الفلسطينيين من ارضهم. أما شاريت «فكان يؤمن بوجود حيز للتفاوض لبلوغ السلام مع الدول العربية. لذا فإن الدبلوماسية امر مرغوب فيه». (المرجع السابق ص 81)
وحين اصبح شاريت رئيساً لوزراء اسرائيل -وكما يقول ستيفن غرين- «أجرى اتصالات سرية مع اهم رئيس دولة عربية وهو جمال عبد الناصر في مصر، محاولاً التفاوض في شأن السلام النهائي بين العرب واليهود في الشرق الاوسط». (ص 82)
والحق ان عبد الناصر رغم اهتمامه بما طرحه شاريت إلا انه كان يشك في قدرته على اقناع الصقور واعني بن غوريون ودايان بالحل الدبلوماسي وقد عبر عبد الناصر عن شكوكه هذه حين قال لرئيس وزراء الهند نهرو الذي دعاه الى قبول الحل الدبلوماسي الذي اقترحه شاريت «انه يشك في امكان اقناع بن غوريون بالاشتراك رسمياً في المفاوضات». (ص 87)
وعن الاتصالات التي جرت بين موشيه شاريت والرئيس عبد الناصر يقول الكاتبان جان وسيمون لاكوتور: «جرت اتصالات غير مباشرة لكنها مشجعة بين عبد الناصر وشاريت عن طريق وسطاء عدة كانوا في العادة من البريطانيين كالنائبين العماليين ريتشارد كروسمان وموريس اورباخ، وتحدث عبد الناصر الى هذا الأخير عن آماله وتعاطفه الناشط مع السيد شاريت». (ص 88)
تم كل ذلك في سنة 1954.
ومع الاسف لم تنجح دبلوماسية شاريت فوزير دفاعه لافون ورئيس اركان الجيش الاسرائيلي آنذاك دايان عارضا بشدة هذه الاستراتيجية الدبلوماسية وكدليل على هذه المعارضة شن الجيش الاسرائيلي هجمات واسعة ضد مصر والأردن. وقد قيل يومها انها شُنت دون علم شاريت.
وهكذا تغلبت النزعة العسكرية على النهج الدبلوماسي لشاريت، وما زالت هذه النزعة هي السائدة.
في كتابه يُبرر المؤلف كيف ان بن غوريون ودايان اقترحا ان تساند اسرائيل انشاء دولة مسيحية في الجنوب اللبناني لزرع التفرقة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، الا ان هذه الخطة افشلها الشعب اللبناني بمسلميه ومسيحييه.
وبعد، ان العدوانية الاسرائيلية اليوم تجد دعماً لها من اكبر قوة في العالم، واعني اميركا. لكن دوام الحال من المحال، فالنصر أخيراً للشعوب.