الروائي والكاتب الراحل مؤنس الرزاز مبدع من نوع مختلف عن كثير من المبدعين في كتاباته ورواياته نفسٌ سياسي اصيل يحاكم بسخرية لاذعة نفاق عصره. نقده «شظايا» تصيب اهدافها اصابة مباشرة.
في عمله الروائي «شظايا والفسيفساء» يحاكم مؤنس «مواربة» بات يمتلك الكثيرون من أبناء امتنا العربية هذه «المواربة» -اذا جازت التسمية- سببها انعدام «الحرية» في اوطاننا العربية، سببها «الخوف» الذي دانه ذات مرة الكاتب الراحل محمد الماغوط حين قال: «إن مقومات قومية الامم المتحضرة هي اللغة والتاريخ والمكان اي الجغرافيا ما عدا الأمة العربية فمقومات قوميتها هي اللغة والتاريخ والمكان و«الخوف»!
في محاكمته لكلمة «بعض» لدى الكثيرين من كتابنا يشير اليها مؤنس وكأنها «منجاة» من السجن او الاعتقال او مصادرة «الابداع».
في روايته «الشظايا والفسيفساء» يروي لنا انه في احيان كثيرة يُلاذُ باستخدام كلمة «بعض» اذا ما أُريد توجيه شظية الى خلل في مؤسسة سياسية. في وصفه لكلمة «بعض» يقول: «لا استطيع زعم المكابدة، بدأت باستخدام الكلمة العربية السحرية الخطرة «بعض». فإذا انتقد مقالٌ أداء وزارة الاعلام برمته، أعدت صياغة العبارة كاتباً: «بعض اجهزة وزارة الاعلام ينقصها الاداء الرفيع»!. كتب احدهم مرة عن ضرورة مراجعة أسس وقواعد منهجية وسياسة وزارة التربية والتعليم فصححته بقولي ضرورة مراجعة «بعض» اسس وقواعد سياسات الوزارة. واذا كتب آخر إن الرقابة شديدة الصرامة في دائرة المطبوعات والنشر، كتبت ان دائرة المطبوعات لا تخلو من «بعض» صرامة». (المرجع السابق ص 78).
كلمة «بعض» صمام أمان يتيح للكاتب ان ينجو من المساءلة الحكومية إن حدثت مستعيناً بكلمة «بعض»، وكأنه يقول إن البعض الآخر ايجابي وقد لا يكون كذلك! الخوف من «التدجين» هو الذي يدفع الكاتب العربي الى مثل هذا الاسلوب. عدم وجود ديمقراطية حقيقية في بلداننا العربية لا يتيح للكلمة الحرة ان تنتقد الخلل الفاضح في هذه المؤسسة السياسية العربية او تلك. كم من مقال او عمل إبداعي لم يرَ النور لأن جهاز «الرقابة» منعه بحجة انه يتعرض للأمن القومي او يشجع المُروق والالحاد!
نحن بحاجة الى ان نوسع هامش الحرية فلا نبقيه ضيقاً. لا يجوز الاستمرار في تسطيح «الوعي». دعونا نقتدي بالأمم المتحضرة في اوروبا وغيرها حيث «الرقابة» لا تصادر الكلمة اتفقت معها الحكومة ام لم تتفق. أقول في الختام دعوا جميع الأزهار تتفتح!
«حرية التعبير» ضرورية شريطة الا تغتال الشخصية التي يتم انتقاد أدائها.
دعونا نستغني عن كلمة «بعض» اذا جاء استخدامها غير مقنع للقارئ!