كتاب

قلبي

..كلما خرجت من المنزل، يلحقني ابني ياسر، وأكتشف أني نسيت شيئا مهما.. إما علبة السجائر، وأحيانا هاتفي، وفي بعض المرات مفتاح السيارة.. وأول أمس، تفقدت كل شيء وخرجت، حتى ولاعة السجائر تفقدتها، لكنه تبعني.. كنت أظن أنه يريد قبلة، ولكنه قال لي: (بابا إنت طالع بالشبشب..).. نسيت حذائي على ما يبدو.. هذه المرة.

الشيء الوحيد الذي أقرر أن أنساه، هو قلبي.. أتركه على الأريكة في وسط الدار، كي يراقب عيون الأولاد، وضحكاتهم.. وشغبهم، وكم تمردوا على أمهم.. وأنساه طواعية، فلا هو يرضى بالمغادرة معي ولا أنا أرضى بأن أصحبه.

سألتني أمس وفي لقاء إذاعي، صبية في عمر الورد: (بحسك أستاذ جامد كثير.. شخصية جامدة).. قلت لها: أنا ربما في داخلي أرق.. من وردة، ولكني جئت إلى اللقاء من دون قلب، فقد تعودت أن أتركه مع أولادي، في المنزل.. يبث لي ضحكاتهم، ويبث لي صراخهم.. ويبث لي أحيانا مشاجراتهم.. وكم اشتاقوا لي.

الانتماء، ليس أغنية تبث على الشاشة، ولا مذيعة متحمسة فقدت اتزانها، في لحضة غباء.. الانتماء ليس قصيدة ولا مهرجانا، ولا ورشة عمل، وهو ليس مبادرة.. تطلق ولا تجد من يحتضنها، هو ليس خدمة طويلة في الوظيفة العامة.. وهو ليس خطابا يقرأ وفيه الكثير من مناقب الفقيد، الإنتماء هو أن تترك قلبك في دارك.. كي يحمي حلمك، وحياتك.. كي يقاتل دفاعا عن وجودك وزمنك، ومسارك..

نحب وصفي التل، ليس لأنه من الشهداء الأخيار فقط، بل لأنه غادر إلى مصر وترك قلبه، في الكمالية.. على أريكة في وسط منزله.. فالقلب وطن، والوطن قلب لا يقوى على الرحيل..

لكن المشكلة.. ليست فينا، المشكلة فيمن باع قلبه.. ويريد استئجار قلبي، هل يوجد قلب يؤجر؟

Abdelhadi18@yahoo.com