كتاب

طفولة

..في طفولتي كنت نبيها جدا، واستدل أهلي على ذكائي من مجموعة افعال كنت أمارسها..

مثلا كانت لعبتي المفضلة، صف الأحذية.. فقد كنت أجلس بجانب الباب، وأرتب الأحذية بحسب الحجم ثم أصنع منها قطارا، وهذا كان يجعل أبي مبتسما.. ويهمس في أذن أمي قائلا: (ما شالله الولد مفتح).. أبي كان لديه نظرية مناقضة لنظرية السلوك لدى (سيجموند فرويد).. لم يكن يؤمن بالغريزة، كانت الأحذية هي مقياس تطور السلوك لديه.

حين دخلت المدرسة، تطورت السلوكات الذكية لدي، ومنها أن بعض الجيران كانوا يشكونني إلى أبي، لأني كنت أصعد السطح، وأقذف كل من يعبر بالحجارة، كان هنالك اعتقاد لدى العائلة أن هذا الفعل لايصب في العدوانية أبدا، بل يصب في سمات الرجولة المبكرة.. وكنت أسمع أبي يقول لأمي دائما: (الولد زلمة..حر)..

بعد ذلك، تم اكتشاف الميول لدي.. ففي سن الثامنة تظهر مواهب الطفل، منهم من يتعلق بالرسم، منهم من يبدع في الرياضيات.. منهم من يعشق الموسيقى، أنا تولدت لدي ميول (الزوامير).. فحين كنت أصعد مع أبي في السيارة، أبدأ بالصراخ والتوسل بأن يسمح لي أن أطلق (الزامور).. وكان كل من في السيارة يضحك، وجدتي هي الأخرى كانت تضحك، وتقرأ علي المعوذات، حتى لايقوم أحد بحسدي، وأنا لا أعرف ماهو الإبداع في إطلاق زامور سيارة؟.. لكن جدتي كانت تعتقد أنها علامات الذكاء المبكر.

أهم علامة ذكاء، احترمتها العائلة لدي، هي أني ذات يوم جمعت ما يقارب الـ (500) طلقة فارغة، لم أترك عرسا إلا وحضرته، وكنت أمهر الفتية، في جمع الطلقات الفارغة، وتخزينها.. وذات يوم حين شاهد أبي، مخزون ما أملك من الذخيرة الفارغة، فرح كثيرا.. وأعطاني (شلن)..

أنا أعرف أن كل من سيقرأ المقال سيبتسم، لأنه مر بنفس ما مررت به، على الأقل من هم في جيلي وعاصروا، ما عاصرت..

في العالم العربي، فشلت المشاريع القومية، والإقتصادية.. فشلت الأمة في أغلب حروبها، وها نحن من هزيمة لأخرى.. كأننا لم نشبع بعد من الهزائم، والقصة ليست في الأمة بل في العقل ذاته في النشأة، في التشبث بقيم نعلمها لأطفالنا.. جار عليها الزمن، وفي أساليب تربية.. لفظها الإنسان الأول..

وها أنا بعد (40) عاما من هجري لطفولتي، عدت وبعض المشيب في رأسي.. وكلما دخلت المنزل، وتعثرت بأحذية أطفالي، صرخت فيهم.. كونهم لم يضعوها في خزانة الأحذية.. ولاشعوريا رتبتها ووضعتها بالخزانة..

طفولتي بدأت بترتيب الأحذية، وها أنا بعد تقاعد لم أقرره، أنتهي برجل.. وظيفته ترتيب الأحذية.. أي عالم عربي هذا الذي يغتال فينا كل شيء، حتى الطفولة.. يغتالها.

Abdelhadi18@yahoo.com