كتاب

الخروج عن السياق

..أشياء كثيرة أخرجت من سياقها، ليست التصريحات وحدها.. خذ مثلا: الحب أخرج من سياقه، صار إلكترونيا، والحب في زمننا كان مختلفا، كان عليك أن تعبر من باب الدار ألف مرة، أن تكتب ألف رسالة، وأن تجافي النوم والطعام، وحين تحظى بنظرة منها.. تذوب في المدى والمدى يذوب فيك.. الحب أخرج من سياقه، صار الفيس بوك مرتع الغرام.

الرموش التي تغنى بها الشعراء كثيراً، هي الأخرى أخرجت من سياقها، فرمش ليلى وحده حظي بألف قصيدة، ألف لوعة، وقد شبهوه بالسيف.. وياما قتل رمشها عشاقا بمحض إرادتهم، تخيلوا لقد أصبحت الصين الان تنتج رموشا صناعية تلصقها المرأة في الجفن، وتلك رموش لا أظن أن الشاعر يجرؤ على مدحها أو وصفها.. فعند أول هبة هواء، يذروها الريح بعيدا.. بعيدا.

حتى الأغاني هي الأخرى أخرجت من سياقها، زمان مثلا: كانت أغنية فهد بلان (لاركب حدك يا الماتور ..) تمثل، حالة حماس في الأغنية العربية، وكنت أشعر أن الفرقة المصاحبة له، هي كتيبة مشاة، وفهد بحد ذاته هو «ضابط» أركان الكتيبة، كنت أحس بأن عازف الطبل.. هو ضابط اللاسلكي، كنت أشعر أن الأغنية معركة.. تخيلوا أمس أعلنت إذاعة عن أغنية جديدة لفنان لا أعرف اسمه تقول: (بحبك كتير يا مهضومة.. وألبي وجعني بغيابك).. الأغاني سلخت من سياقها..

وأنا أيضا أخرجت من سياقي، فحين بدأت في الصحافة.. كانت المهنة أشبه بمعركة، كنا لا نخاف من شيء، ولا نحسب حساب أحد.. والآن صرنا نخشى الهواتف، فأنا لم أعد أضع هاتفي بجانبي، لقد أخبرني الطبيب أن الإشعاع يؤثر على أعصاب الدماغ، هل بقي عندنا أعصاب حتى يؤثر عليها الهاتف..؟

أشياء كثيرة أخرجت من سياقها في هذا العمر.. ولكن السؤال من الذي أخرجها من السياق؟.. لا أعرف، ولكني أظن أن الشخص الذي اخترع الرموش الصناعية.. هو المسؤول، وهو متورط في إخراج تصريحات المسؤولين من سياقها.. أجزم ذلك، فقد أخرج العيون قبل ذلك عن سياقها.

Abdelhadi18@yahoo.com