«وإذا أحب الله يوماً عبده ألقى عليه محبة الناس»..
ثلاث سنوات تمر على الرحيل كم هو موجع رحيل الأحباء «سميرة» في حياتك جسّدت «قيم الانتماء» لا لأسرة فحسب، بل لوطن محتل صادر الحريات، لكنه لم يستطع مصادرة حب «الوطن». مربية اجيال كنتِ.
قاومت «التطبيع» مع العدو الذي حاول عبثاً ان يُقحم مناهجه التدريسية عليك، فأبيت بإصرار. التزمت بمناهج التربية والتعليم التي اقرتها السلطة الوطنية الفلسطينية ووافقت المناهج الأردنية. رفضت ان تختفي كلمة «فلسطين» من المادة الدراسية.
كم حاول الاعداء الصهاينة ان يمحوا الذاكرة الفلسطينية، فأخفقوا. كنتِ ايتها الراحلة الحبيبة تجتازين حواجزهم وأحياناً سيراً على الأقدام وصولاً الى مدرستك.
انتماؤك -يا سميرة- ساومك عليه العدو فباءت مساومته بالفشل. كنت تُرددين أمام تلميذاتك العنوان المقدس «حب الوطن من الايمان».
ذات مرة -وكما علمت منك- قدم الى المدرسة بعض جنود الاحتلال وكان الوقت صباحاً، والتلميذات ينشدن نشيد:«أعدوا العديد وكونوا جنوداً وموتوا أسوداً فداء الوطن
فلسطين أرضي وروحي وعِرضي
أموت لفرضي ويحيا الوطن».
عندها طلبوا منك إلغاء هذا النشيد معتبرين ترديده عملاً عدوانياً!. يومها -وكما علمت منك- قلت لهم: ما ُيردده بناتي هو الحقيقة"!. استاءوا منك وهددوك، فلم تستسلمي.
امثالك -يا سميرة- كثيرون في هذا الوطن الجريح، انت وهم ملح هذه الارض المقدسة. انت وهم الاصل. اما الغير من اعداء الانسانية فغزاة محتلون.
فاجأك المرض العضال بعد ان أنهيت رسالتك التعليمية، قاومتيه بإصرار، لكنه في النهاية غلبك، فرحلت مبكياً على مناقبك وخصالك. مناقب وخصال تحكي نُبلاً وطنياً، لم يغادرك طوال حياتك.
حين زرتك وانت على فراش الموت في مستشفى الجامعة الاردنية قلت لي «لا احد خالد يا اخي، لقد أديت رسالتي كما يريدها الله سبحانه وتعالى».
لم اسمعها لحظة واحدة تئن أو تشكو من الالم رغم شدته. حتى وهي في غرفة الانعاش وقبل رحيلها بساعات كانت ترفع يدها من وراء الزجاج وكأني بها تغالب مرضاً لا فكاك منه.
سميرة انت الغائبة جسداً لا روحاً، يكفيك فخراً هذا الرصيد من المحبة الذي يعمر قلوب محبيك، وصدق من قال:
«الموت نقّادٌ على كفه جواهر يختار منها الجيادا»
يكفيك فخراً انك خَرّجت اجيالاً من بنات الوطن «فلسطين» عاهدن انفسهن ان يترسّمن خُطاك، مُنتميات لأرض ألقى الله عليها محبته.