الطريق
11:00 17-6-2019
آخر تعديل :
الاثنين
في الصف الثالث الإبتدائي، كنت أنحف من عود الخيزران، وكنت صغيراً بحجم تفاحة ولكن أجمل منها.. أمي كانت ترقبني عند باب الدار وأنا عائد من المدرسة، وتخاف علي من برد تشرين ومن هواء أيلول، ظلت توصيني دوماً وكلما عدت: (لا تمشي يا ميمتي ع الشارع أمشي ع طرف الشارع).. كانت تخاف علي من السيارات العابرة.
وأنا ألتزم بكلام أمي، ولكن الريح هي التي تأخذني تارةً لمنتصف الشارع، وتارةً تقذفني بعيداً عنه.. عام كامل والريح تلعب بي، وأنا طفل كل ما أريده هو أن أصل أمي، وباب منزلي.. وأن أريها دفتر الإملاء وكيف حصلت على علامة كاملة، ونجمة.. وقبلة.. ووطن.
كلما عدت إلى الكرك ومشيت في شارع مدرستي الإبتدائية تذكرت حالي، وتذكرت المشهد.. أنا الأن مثل طالب في الصف الثالث الإبتدائي، لا أعرف أين أسير؟.. تارةً تقذفني الريح يميناً، وتارةً أقصى اليسار.. وتارةً ترميني، وتارةً توقف مسيري.. وأفكر في ذاتي وأقول: لم أنتسب يوماً لتنظيم محظور، لم أوزع منشوراً سرياً.. لم أقف على الرابع، لم أسجل فيديو وأشتم فيه كل شيء وأتجاوز كل خط، ولم يولد مقالي في المقاهي الثورية في بيروت.. وأنا أصلاً لم أقم برمي جواز سفري في مطار عابر، وأنا أيضاً لم أتورط في زيارة سفارة.. ولم أحصل على تمويل، لماذا تلعب بي الريح إذاً؟
نحن الآن كمن يقاتل كي يبقى على طرف الشارع، والشارع من دون رصيف..
في الأردن، صار اهتمام الدولة بمن هم خارج الطريق، نسيت من يسيرون على دربها، فقد تركتهم للريح.. وكان بإمكانها أن ترقبهم مثل أم.. تنتظر وليدها وهو قادم من مدرسته، ويعاند الطريق والريح.. كي يصل.
من أحبوا وطنهم وقاتلوا لأجله، لم تحافظ عليهم في مسارات الحب والوفاء، ومن التحقوا بالمعارضة.. لم تستطع استقطابهم وزجهم.. في مشاريعها.. وجعلهم يعبرون من دروب البلد.
في النهاية ها أنا أسير وحيداً، وأردت أن أقول لأمي: (أعذريني يا أمي يا غالية يا حنونة.. أنا ما زلت أسير يا أمي ولكني لا أعرف بالتحديد أين أسير.. فقد سحبوا الشارع من تحت أقدامي.. وصرت تائهاً من دون بوصلة)..
Abdelhadi18@yahoo.com