في مدننا نحن (الأحياء)، نقاسي، نعيش في شوارعنا في متاهة. تنوء تتعذّب تئنّ تزنّ وأنت في مركبتك في سفرك بين دوّار وآخر، بين حي وآخر. (نتنطنط) بين المركبات وأنت تمشي. في الدنيا، المشاة مكرّمون لهم الأولويّة لدى قطع الطريق ما عدا عندنا. سائقنا الهمام يعتقد أنّ الأولوية لمركبته التي تصرخ تنفث ناراً. قد تصل الأمور أنّ يتمنّى أحدنا أن يخلص يرتاح(نهائياً) وسط زنقة أبديّة في غاب السياقة وتنمّر بعض السائقين يناورون يداورون يشتمون وقد يصدمون. لنفرض لا سمح الله أنّه قد استجيب لطلبه، ولكلّ أجل كتاب، فهل ينعم بالراحة الأبديّة هناك تحت تراب الأرض الحنون في مقابر سحاب ويخلص!.. اللّه أعلم.
بداية، من يدخل المقابر يشعر كأنّه دخل في متاهة. لا يعرف من أين الدخول وإلى أين الخروج. لا علامات مروريّة. عندما يكون داخلا في مركبته وسط طابور من مركبات المعزّين يلاحق حافلة نقل المتوفّى برأسه أينما سارت يمينا يسارا وقفزا على كرسيه، وإن كان هناك أكثر من جنازة بعد انطلاقها من مسجد المقبرة يختلط الحابل بالنابل فيلحق ربع سعيد بحافلة مسعود وربع مسعود بحافلة سعد وبالنتيجة يتوه ربع سعد ومسعود وسعيد. لا أعرف لم لا تميّز الحافلات عند الوصول للمقابر تيسيرا لمتابعيها أو أي طريقة للتنظيم بالدور. عندما يتقاطر المعزّون للخروج فرادى، يصبح الوضع كيوم الحشر وسط طرقات ضيّقة تملؤها الأتربة وأكوام الحَفْر. لا يمكن الخروج إلى الطريق العام بدون طريقة التجربة والخطأ حيث يتداخل الداخلون والخارجون فيسدّون الطرقات الضّيقة... كيوم الحشر.
تتوهّم بعد المخاضة أنّك قد وصلت إلى بداية مخرج عنق الزّجاجة لتفاجئ بإشارة مرور يتيمة (ممنوع المرور) تسد طريقك. تفرمل وقد حسدّت أهل المقابر الكرام رحمهم اللّه على راحتهم وهروبهم من ذلّ السير في مدن الأحياء. تلوص. فأمامك طابور من الداخلين يسدّ هذا الطريق (الرئيسي) بعرض حزام بنطال طفل. لا ينقذك سوى شجاعة سائق سبقك، وقف. إحتار تردّد، وبحسبة بسيط واستخارة سريعة، توكّل على الله وسار عكس السير. يلحقه طابور وأنت منه وللمرة الأولى تبرّر المخالفة وعكس مبادئك، فالضرورات تبيح المحظورات. تصل إلى الطريق العام (الدّولي) ويا حيف، حفر مطرّزة كأنّ مركبتك تنزلق فوق درج عام. تعود لزيارة عزيز قد فارقك. لن تتعرّف على مكان دفنه. البعض كان يصوّر شواهد القبور منذ دخوله من نافذة مركبته حتى الخروج كعلامات يستدلّ بها على خط سيره في زيارته التالية. نتمنى أن نرى وفي أماكن واضحة وبخطوط كبيرة وباتجاهات معينة ما يدل الزائرعلى مقصده وهو يسير.
في بلاد الدّنيا تزرع أراضي المقابر بآلاف الأشجار ذات جذور رأسية توخَياً لسلامة الأضرحة، نحن نشكوا من الجفاف والتّلوّث البيئي ولدينا آلاف الدونمات نحوّلها إلى يباب.