كتاب

طوني...

..تابعت كل الحلقات التي قدمها الإعلامي (طوني خليفة)، ففي رمضان يوجد شيء واحد تفعله بعد العبادة وهو الإسترخاء أمام شاشة التلفاز، برنامج طوني خليفة.. لم يكن برنامجا، بل هو دراسة.. تشبه إلى حد ما الدراسات التي تعدها مراكز البحث والإستقصاء.. وقياس الرأي العام.

على مدى (30) حلقة، لم نشاهد سياسيا عربيا أردنيا، بل شاهدنا نماذج الموظف العام فقط.. فالكل كان مغرقا في المحلية والكل تحدث عن تجربته، والكل أدان الحالة ولم يقم بإدانة نفسه.. والكل سرد قصته، بالمقابل لم يقدم أحد من نخبة رجالات البلد تصوره للحالة العربية، أو لمأزق الخلافات أو لوضع الأردن..

وكان طوني يأخذهم إلى الحالة التي يريدها هو، وإلى المشهد الذي يريده أيضا، والمهم لدى هذه الرجالات هو الظهور مع (طوني).. مع أن (محمد الوكيل) بحد ذاته، يشكل حالة جماهيرية في الأردن أعلى من (طوني) بألف مرة..

في الأردن لايوجد سياسي محترف بالمعنى الدقيق للكلمة، فالسياسة لاتعني سرد التجارب الشخصية.. ولا تعني الشكوى من الخصوم، ولاتعني أبدا.. الحديث عن أهمية الجهاد، أو البكاء.. السياسة فيها اجتهادات، وفيها خبرات تتيح لصاحبها أن يقدم تصورا للوضع العام الذي نعيشه، وللحالة العربية التي نعاني من ركامها..

الأردن مثلما هو بلد فقير في الموارد، هو بذات السياق بلد فقير في إنتاج السياسيين.. فهناك إلتباس هائل حدث بين الموظف العام وبين السياسي، واعتبرنا في لحظة أن الوظيفة العامة قد تنتج سياسيا، والعكس صحيح.. فالوظيفة العامة قد تكون حالة حصار لعقل الفرد وقدراته.

لقد تابعت كل حلقات برنامج (طوني خليفة)، وثمة مقارنة عليك أن تجريها بين العالم العربي وبيننا، فسوريا التي عاشت الحرب والدم، استطاعت أن تنتج من موظف عام عمل كمندوب لها في الأمم المتحدة وهو: (بشار الجعفري) حالة سياسية فريدة في العالم كله، تقاتل تارة وتناكف أخرى.. وتحمل الملف السوري بكل احتراف، والسعودية التي غادر فيها زعيم الدبلوماسية العربية الأمير (سعود الفيصل) الحياة، استطاعت أن تقدم (عادل الجبير) كوريث له في السياسة الخارجية.. وكسياسي رفيع، يجيد حمل الملفات الثقيلة..

أما نحن فما أنتجناه، هو الحديث عن الأولاد.. وعن الخصوم، وبعض البكاء...وقدمنا أيضا، نماذج غياب العقل والإيدولوجيا، لصالح الوظيفة العامة..(30) حلقة لطوني خليفة، لم نسمع تجربة حزبية فيها.. لم نسمع واحدا منهم استأنس بمقولة لمحمد عابد الجابري أو ميكيافيلي، أو نعوم تشومسكي.. بقدر ما سمعنا حجم تكلسات الوظيفة العامة في العقل.

Abdelhadi18@yahoo.com