بعد ما يقارب العقدين من الزمن صدر قانون المسؤولية الطبية والصحية بتاريخ 8/5/2018 مظهراً بتواقيع وزراء الحكومة السابقة وأصبح القانون نافذاً ومتاحاً للتقاضي بموجبه بعد مرور تسعين يوماً على إقراره ونشره في الجريدة الرسمية. ورغم أني ومعي الكثير من المهتمين بهذا القانون قد سجلوا بعض الملاحظات حول ما ورد فيه من نصوص لا تقع ضمن مفهوم الأخطاء الطبية مثل:
تصحيح وتغيير الجنس والاستنساخ البشري والخلايا الجذعية وزرع جنين من غير الزوج والأبحاث والتجارب على البشر والموت الرحيم كونها أمور تتعلق بأخلاقيات مهنة الطب وقواعد الممارسة السليمة والأنظمة والتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة والدستور الطبي , إلا أن هذا القانون قد عالج الكثير من الأمور التي كان يعاني منها مقدموا الخدمة في ظل غياب مثل هذا القانون على سبيل المثال لا الحصر: توقيف مقدم الخدمة قبل التحقيق معه وثبوت وقوع الخطأ الطبي, وعدم إخراج المرضى من المستشفيات عندما لا يكون هناك مبرر طبي لوجودهم في المستشفى.
كما أنه يعتبر نقلة نوعية في التشريعات المتخصصة والتي تعتبر متطلبا عصريا وعالميا يدعم مكانة الأردن ومركزه في قائمة التنافسية العالمية فيما يتعلق بحقوق الأنسان والممارسة الآمنه للخدمات الطبية والصحية وحافزا للشركات والحكومات الأجنبية والمرضى الأجانب للتعاقد مع مؤسساتنا الطبية والحضور لغايات السياحة العلاجية.
وهنا لا بد من تسجيل الشكر بداية للمجلس الصحي العالي الذي من مطبخه خرجت مسودة القانون والى أعضاء الفريق الوطني الذي شكله المجلس وإلى رؤساء وأعضاء اللجان الصحية في مجلسي النواب والأعيان وديوان التشريع الأردني الذين أخرجوا القانون بصيغته النهائية. والآن بعد مرور عام على صدور هذا القانون فإن على الدولة ممثلة بوزارة الصحة القيام بجملة من الأجراءات والقرارات والتي نص عليها القانون لتشكيل آليات العمل وهي على سبيل الحصر:
1. تشكيل لجنة خاصة للمعايير الطبية والصحية لاعتماد القواعد المهنية التي على أساسها سوف يتم تحديد المسؤولية الطبية والصحية بناء على مدى التزام مقدم الخدمة بهذه القواعد.
2. تشكيل لجان فرعية لكافة التخصصات تنبثق عن لجنة المعايير الطبية والصحية لوضع الحدود الدنيا للقواعد المهنية الواجب اتباعها من قبل مقدم الخدمة.
3. تشكيل اللجنة الفنية العليا من أطباء الاختصاص والأسنان والصيدلة والتمريض والمهن الصحية الأخرى للنظر في الشكاوى المقدمة من متلقي الخدمة والدعاوى القضائية المقامة منهم وتقديم الخبرة الفنية وقد صدر قرار بتشكيلها مؤخراً إلا أنني أشعر أن تمثيل هذه اللجنة ينقصه متخصصون في الإدارة الصحية كما أن القانون قد حولها إلى لجنة شكاوى بدلاً من أن تكون لجنة تقدم خبرة فنية للقضاء مما سيرهق عملها ويستدعي دعمها بسكرتاريا تنفيذية.
4. تشكيل لجان فرعية منبثقة عن اللجنة الفنية العليا لابداء الرأي في الطلبات التي تحيلها إليها اللجنة العليا.
5. إنشاء صندوق للتأمين ضد أخطاء المسؤولية الطبية والصحية في المجلس الصحي العالي لتعويض المتضررين وقد شاركت مؤخرآ مع لجنة مشكلة من المجلس الصحي العالي في وضع مسودة تعليمات نظام الصندوق وهي الآن أمام ديوان التشريع. وهنا لا بد من تسجيل بعض الملاحظات حول مكان الصندوق وإدارته الذي جعل من المجلس الصحي العالي شركة تأمين وإدارة مخاطر خاصه في بلد التوجه الرسمي فيه نحو اقتصاديات السوق الحر بدلاً من إسناد هذه المخاطر لشركات التأمين الخاصة التي أخذت موقفآ مبدئياً من هذا القرار. كما أن المهام الملقاة على عاتق المجلس ستكون ثقيلة وأكبر من قدرة كادر العمل على تنفيذها, علاوة على أنها تشكل انحرافاً عن دور ومهام المجلس الذي نص عليه القانون رقم 9 لسنة 1999وتعديلاته.
6. إنشاء سجل رسمي وسري خاص بالأخطاء الطبية والصحية لدى وزارة الصحة.
7. تنظيم سجل خاص بأسماء ممارسي المهن الطبية والصحية المرخص لهم وتصنيفهم وفق مستوياتهم المهنية.
وفي الختام فإن على وزارة الصحة مسؤوليات مباشرة لتشكيل اللجان التي نص عليها القانون وتفعيل آليات عملها لضمان حقوق متلقي الخدمة وذويهم وحماية العاملين في المهن الطبية والصحية, كما أن على إدارات المستشفيات في القطاعين العام والخاص ترتيب البيت من الداخل وفق القواعد المهنية المعتمدة والالتزام بما نص عليه هذا القانون لتبقى مستشفياتنا أمكنة آمنة للممارسة الطبية وليستمر أردننا الغالي موئلا جاذباً للمرضى من الخارج.