في مقدمة نتائج وأولويات استقلال كل دولة أن تنطلق لبناء ذاتها وتعزيز قدراتها العسكرية والسياسية وبناء مؤسساتها الداخلية تعليمية وصحية وثقافية وسواها، وفي استقلال المملكة الأردنية الهاشمية كانت تلك هي الغاية القصوى التي بدأ الملك المؤسس العمل عليها تلاه فيها الملك طلال ثم الحسين الباني رحمهم الله إلى أن أصبحت تجربتنا الأردنية أنموذجاً رائداً في العمل والإنجازات رغم ما فرضته ظروف قلة الإمكانيات وشُحّ الموارد. القيادة الهاشمية التي آلت للحسين بما مقدراه نحو نصف قرن من الزمان أدركت منذ البدايات أن المملكة وكما تعمل لنفسها فإنها تعمل لأمة العرب كافة وكانت لا سيما بجيشها العربي حاضرة في مختلف أنواع الحروب والمعارك التي خاضتها الأمة لأن الأردن الذي انتزع استقلاله بتضحيات قيادته وشعبه لا يريد ولا يقبل أن يرزخ شبر واحد من أي أرض عربية تحت نير الاحتلال والظلم والطغيان الأجنبي. لقد كان في استقلال المملكة الأردنية الذي حققته إرادة القيادة الهاشمية مصلحة عربية وقومية بنفس القدر الذي كان فيه مصلحة أردنية وطنية، ذلك أن الأردن كان ولا يزال قاعدة للكفاح العربي وقلعة من قلاع العروبة والالتزام القومي وداعية للتضامن والعمل العربي المشترك لتوحيد الصف وبناء موقف موحد لمواجهة الأخطار والتحديات التي تواجه الأمة والعمل على إنقاذها من هاوية التمزق والضياع والتشرذم، وفي سبيل ذلك قدم الأردن قوافل متتالية من أبنائة شهداءً قضوا في سبيل عروبة الأمة وأحقية قضاياها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تصدرت جميع مشاغل القيادة وهمومها وبذل الأردن لأجلها كل جهد ممكن للوصول إلى تسوية عادلة تعيد الحق لأهلة وتمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
وتأكيداً لذلك يقول جلالة الملك عبد الله الثاني -حفظه الله - «كان الأردن على الدوام وسيبقى جزءاً فاعلاً من أمته العربية، ورافداً أساسياً من روافد العمل العربي، يسعى باستمرار لتحقيق الوفاق والاتفاق، وقيام علاقات من التعاون البناء بين جميع الدول الشقيقة، وتجاوز جميع أسباب الخلاف والاختلاف، انطلاقاً من وحدة الهدف والمصير المشترك». فالأردن ما كان يوما لنفسه وما اتخذ طريقا غير طريق الإسلام والعروبة والصدق والمروءة يقينا منه إنه جزء من امته وعامل مهم من عوامل قوتها ووجودها وصمودها.
في العيد الثالث والسبعين لاستقلال المملكة، يحدونا الاعتزاز والفخر بما يؤكده جلالة الملك عبد الله الثاني في المحافل العربية والعالمية وبما مضمونه أن الأردن سيظل بعون الله، وارث رسالة الثورة العربية الكبرى، وأهدافها وغاياتها النبيلة، في الحرية والوحدة والحياة الأفضل، وسيظل كما كان على الدوام، عربي الانتماء والموقف والرسالة. وأن العمق العربي للأردن سيبقى هو الأساس في كل علاقاته، ولن تتقدم أي علاقة على علاقة الأردن بأشقائه العرب. نحتفل إذن بمناسبة عيد الاستقلال ونستذكر جهد الذين رحلوا من الهاشميين ورجالات الوطن، وندعو الله لقائدنا المفدى بطول العمر، فهو اليوم كما كان والده وأجداده من قبله يخوض معركة مصيرية لنصرة قضايا الأمة وبنفس القدر ما انفك يعمل لما فيه خير المواطن الأردني وتحسين مستوى معيشته.