كتاب

الضاد..

بداية.. معذرة لأهل الفصحى لخروجي عنها هنا, رغم انتقادي لمن يخرجون. لغتنا حزينة، بين الضّاد والظّاء والدّاد, بين فريده و...فيفي! فلنبدأ:-

يسحبونهم عنوة من أرحام أمّهاتهم, يستقبلون الدّنيا بالبكاء والصّراخ إحتجاجًا على مغادرتهم أجمل الأمكنة, لأحساس طفولي بأنّها"الدنيا", بداية لنهاية. يأخذهم الجدّ بين يديه ليهمس في آذانهم بكلام الله بالعربيّة الفصحى فيهدأون ويطمئنّون. للكثيرين, ستكون هذه أوّل وآخر كلمات بالعربيّة الخالصة (لغة الضاد) يسمعونها, بعدها سيسمعون لغة أخرى, لغة (الظّاء و الدّاد) لغة ظَرَبَ دَرَبَ. لغة (أووه نايس سويت), بدل(تبارك الله)!

كان آباؤنا يطلقون علينا أسماء يتوسّمونها فينا: صخر رعد شهم شجاع بسّام باهر ماهر صامد حليم كريم. كانوا يَشبّون في النحيل قوّة فيسمونه (ليثا), الكِشَري سميحا القصير فارعًا والبطيء سهما. الجميل, من باب دفع العين سيسمونه زعلًا. الداكنة السّمار شروقا, البيضاء كالحليب ستمسي سمراء و التّخينة البطيئة غزالة.

في عصر السرعة، ولعنا برتن الأسماء الأجنبيّة المختصرة: سام جو ريتا فيتا. إرضاء لجدّ ثري أو جدّة, تزلفا لرئيس أو قريب ذي مال وجاه لعلّ وعسى.. نطلق على مولودنا اسمه, دقّة قديمة, تيمّنا. في غيابه سيفرنجون الأسم, عبد اللطيف (تيفو) وعبد الجبار (جو) فتحيّة فريده ستصبح (فيفي). تبدأ الأم محفوظة والأب معزوز بتعليم الكلام (للبيبي): (مورننج داد) بدل يسعد صباحك يابااا، (نايتي مامي) بدل تصبح على خير يمّااا, (جود لك جو أهيد) بدل روح الله معاك, (شت آب) بدل من فضلك عيرنا سكوتك. وبعدها نلومهم..أجيالنا؟!

محلاتنا, مكامن أرزاقنا: بسطة ترمس (شيكاجو)، مقهى بخمس كراسي جربانة في ثقب في قاع المدينة (شانزيليزيه محمود كوفي شوب)، بائع سراويل (ايف سان زعل) أرجوحة بمقعدين على سيل العطاشى (جفّفوه) وحاو يلاعب فأرا (دو باري فتحي لونا بارك). حضانة بها الف طفل بمرحاض واحد (هارفرد الكتاكيت). دائرة لعشرة مواطنين بألف مستوظف بيكاوات (كابيتول هيل الوطن), شارع مزدحم بمخلوقات مضطهدة في مركباتها لأزمة سير, على بوابته بسطة عصير(لكي واي جوس).

تاهت ألسنتنا أضعنا أسماءنا بصمات أصابعنا, فقدنا بوصلتنا. فيل يقلّد زرزورا, يقفز يقع فيخلع خرطومه, ترفضه الزّرازير وينبذه قطيعه. أبناؤنا من (السبور) علية القوم, لا يتداولون العربية. هي علامة تخلّف حاشا لله, إلّا في أمتحانات مفروضة عليهم..خاوه, ومن أجل الشّهادة. لولا الملامة لحذفوها. يهرب الطلبة بتشجيع من الأهل من ربع الفرنجي برنجي إلى مساقات أخرى بلا العربيّة و...نعتمدها!؟. يصبحون مخططّين...للوطن. العربيّة, أجمل اللّغات لماذا نخجل من استعمالها ؟! من نافذتها تطلّ غرناطة العباسيون الأمويون الأزهر والقيروان... من علّموا الخلق الحياة والكلام.

الّغات أخرى, ضرورةٌ قصوى من أجل التّطوّر والتواصل بين الشعوب, لكن لغتنا هي الأُولى والأَوّلى. هناااك حيث نقلّدهم يسمّون لغاتهم الوطنيّة (مذر تونج) أي لسان الأمّ, نحن تخلّينا عن أمّنا(مفيدة ورشيدة)و استبدلناها بأمهاتهم (فيكتوريا واليزابيث)..لماذا؟! هو العقوق بأبشع صوره. هل يدلّعون ابناءهم بأسمائنا فيطلقون على شارل..شحيبر! جورج..جربوع أو جريّد, باتريشا عيّو أو شلبيّة!؟.عقدة الخواجا, عقدة نقص؟..ربّما.

لماذا لا تكون لغتنا في مدارسنا ودوائرنا وأسواقنا وعلى يافطات محالنا وأسمائنا في سجلات نفوسنا إجباريّة. مسابقات في الفصحى بطريقة تجذب الشّباب والكترونيا كما يرغبون؟ واعتمادها كشرط لتعيين: مدرّس فني وإداري مدني كان أم عسكري, مهما كانت مساقاتهم وأماكن تخرّجهم؛ و...خاوة. من يدري! قد يعود إلينا..مجد مضى. بالمناسبة (باشا وبيك).. تركيّة الأصل! وما زالت على ألسنتنا من عهد السلاطين.

mbyaish@gmail.com