أبواب

الأغنية الفكاهية.. محطات بهجة

أبواب - زياد عساف

«الضحك والغناء»، كلاهما تعبير عن موقف أو رد فعل تجاه الأحداث اليومية في شتى مناحي الحياة وتقلباتها، ويكمن سحرهما حين اجتمعا معا وشكَّلا ما بات يُعرف بـ «الأغنية الفكاهية»، وأصبحت مع الوقت لونا غنائيا مستقلا بذاته برزت قيمته بفترة من الفترات باعتباره المترجم الحقيقي والأصدق للواقع الإجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأصبح له جمهور ذواق على امتداد الوطن العربي، وأكَّد هذه الرؤية اسماعيل ياسين في أحد مونولوجاته بإشارته لأهمية الضحكة والأغنية معا بهذه الوصفة الإرشادية الغنائية :

«ارقص غني واضحك كركر.. والدنيا دايما غنيلها

و بأحزانك أوعى تفكر.. واهو زي ما ترسي دُقِّلها».

عصر ذهبي..

عصر ذهبي عاشته الأغنية الفكاهية العربية تلاشى مع الوقت حتى كاد أن ينقرض تماما، وتباينت الآراء حول هذا التراجع ففريق يعزو ذلك لخلل في أذواق الناس، اّخر ينسبه لتقصير غير مسؤول من شركات الإنتاج والإعلام بشقيه المرئي والمسموع.

برز الغناء الفكاهي بأشكال متعددة ومتنوعة ما بين المونولوج الناقد والساخر والأغنية المرحة التي تبعث على البهجة والمتعة في نفس المتلقي، وتواصل معه الناس من خلال البرامج والسهرات الإذاعية والمسرح الغنائي ليصبح عنصرا رئيسيا في السينما الغنائية حتى أوائل الستينييات، ومن الطبيعي أن يتميَّز هذا الفن في أرض الكنانة نظرا لعراقة وقدم المسرح الغنائي وتأسيس الإذاعة أواسط الثلاثينيات وازدهار السينما ثم التلفزيون فيما بعد، وتأتي لبنان في المرتبة الثانية، تليها الدول العربية أيضا ولكن بنسب متفاوتة.

بطلوا دا واسمعوا دا..

مقومات رئيسية عززت الغناء الفكاهي المصري، تمثلت في عبقرية الكلمة وجمال اللحن وسلاسة الأداء، على صعيد الكلمة لا يمكن نسيان الدور الذي قام به بديع خيري صاحب الفضل في شهرة سيد درويش الذي غنى من كلماته العديد من الأغاني الناقدة للوضع الاجتماعي والسياسي خلال فترة الحكم البريطاني لمصر، بالإضافة لمجموعة المسرحيات الغنائية لفنانين كبار أمثال نجيب الريحاني، ومن أبرز ما نظمه من اغنيات فكاهية: شحات الغرام لـ محمد فوزي وليلى مراد في واحد من مشاهد ورد الغرام، وأغنية عزيز عثمان: بطلوا دا واسمعوا دا بفيلم لعبة الست.

وتكمن اهمية خيري أنه كتب العديد من الأفلام الغنائية أيضا ما ساهم بتطور الأغنية الفكاهية التي وظفها بهذه الأعمال، وهذا ما ينطبق على الكاتب والشاعر الغنائي ابو السعود الإبياري واشتهرت له مجموعة من الأغنيات الفكاهية والمرحة في السينما مثل: العدس الليلة لنعيمة عاكف ، ومعانا ريال لفيروز الصغيرة.

تاكسي الغرام..

وتطول القائمة مع أسماء أخرى تألقت في هذا اللون ومنهم جليل البنداري ونظم مجموعة اغان منها: تاكسي الغرام لعبد العزيز محمود وهدى سلطان، وسوق على مهلك سوق غناء شادية وكمال الشناوي، الشاعر الغنائي فتحي قورة كتب مايقارب الألفي أغنية وأغلبها من اللون الفكاهي والمرح ومن بينها: تعالي أقولك لعبد الحليم وشادية، وابعد عن الحب وغنيله لعادل مأمون، وألَّف مجموعة من المونولوجات الناقدة ومن بينها: خليكوا شاهدين يا بهايم: شكوكو، من أين لك هذا: ثريا حلمي، المشاهير الأربعة: احمد غانم، ويعود الفضل أيضا لصلاح جاهين لبراعته في هذا المجال واعتباره صاحب أسلوب تميز بالبساطة والفلسفة العميقة ما أهَّلهُ للتعبير عن أحلام الناس بكافة أطيافها.

أثرى هذا الفن أيضا وجود الرموز الكبار السابق ذكرهم مثل شكوكو، اسماعيل ياسين، بالإضافة لثريا حلمي وصلاح عبد الحميد، أحمد غانم وفيما بعد سيد الملاح ولبلبة، لم يتوقف ازدهار الأغنية الفكاهية المصرية على المتخصصين بفن المونولوج، ففي الوقت نفسه تميز بعض الممثلين بصوت جميل وتم توظيف هذه الموهبة في العديد من الأفلام، وهذا ما ينطبق على فؤاد المهندس وشويكار وصفاء ابو السعود، حتى الممثلين أصحاب الصوت الخشن أدوا مجموعة من الأغاني الساخرة مثل نجيب الريحاني عندما شارك ليلى مراد الغناء بفيلم (غزل البنات) بأغنيتين هما: أبجد هوز وعيني بترف، وكذلك غنى يوسف وهبي ببعض الأفلام منها: مال ونساء.

ضحك ولعب وجد وحب..

لم يقتصر تألق الأغنية المرحة على المتخصصين بفن المونولوج، وقدم مشاهير الغناء أعمالاً تبعث على البهجة والسرور والضحك الصافي من القلب، عبد الحليم على سبيل المثال شارك بالأغنية الفكاهية: يا سيدي أمرك بفيلم :ليالي الحب، وبها يسخر من الغناء القديم، وأغنيته المبهجة: ضحك ولعب وجد وحب التي غناها لزبيدة ثروت بفيلم: يوم من عمري، وبفيلم الخطايا طلب من المخرج حسن الإمام أن يُعَدِّل في السيناريو ويضيف له مشاهد كوميدية بالفيلم نظرا لوجود حسن يوسف الذي خشي منه العندليب بأن يطغى حضوره المرح على الفيلم ويخطف الأضواء من حليم في المقابل ، ويلاحظ المشاهد للفيلم أداء عبد الحليم لحركات راقصة وساخرة في أغنية: وحياة قلبي وأفراحه بهدف مناكفة (سهير)أي نادية لطفي التي قاسمته بطولة العمل، وعاد حليم ليقدم هذا اللون بأغنية: قاضي البلاج بفيلم: أبي فوق الشجرة، وهذا بدوره ينسحب على فريد الأطرش حين أتحف الجمهور بأغنية: ياسلام على حبي وحبك وهو يناكف شادية بفيلم: انت حبيبي، المطرب محمد فوزي يعتبر صاحب الرقم القياسي بالأغاني السلسة المرحة وبمعظم أعماله السينمائية، وكذلك الأمر بالنسبة لليلى مراد وشادية وصباح وغيرهم.

تخصص بعض الملحنين كان عاملا إضافيا ورئيسيا ارتقى بهذا الفن وأبرزهم: منير مراد وعزت الجاهلي ومحمود الشريف، وكبار الملحنين كانت لهم مساهمات في هذا المجال مثل عبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل.

انحسار..

أسباب عديدة أدت لتراجع الأغنية الفكاهية المصرية أهمها غياب هؤلاء الرواد عن الساحة، وتوجه السينما والمسرح للأعمال التجارية الساذجة المربحة وغير المكلفة، وجاءت هزيمة 1967 والتي كانت هزيمة للضحكة والبسمة أيضا فكان من الطبيعي أن يختفي هذا اللون، وعاش رموز هذا الفن ظروفا مادية ونفسية عصيبة، يؤكد ذلك ظهور شكوكو أواخر الستينيات بدور صغير بفيلم: واحد في المليون، واقامة اسماعيل ياسين في لبنان مستعيدا مونولوجاته القديمة على مسامع رواد الملاهي الليلية، وتقديم دعاية لمنتج استهلاكي لشاشة التلفزيون اللبناني، واضطراره للظهور بأدوار قصيرة بأفلام لبنانية تجارية مثل: فرسان الغرام وعصابة النساء وإيدك عن مراتي.

استردت الأغنية المرحة عافيتها نوعا ما بفترة السبعينيات في بعض افلام ومنها: خلي بالك من زوزو وأميرة حبي أنا لسعاد حسني، ومشاركة سعاد في المسلسل التلفزيوني: هو وهي مع احمد زكي عام 1985 وتضمن مجموعة أغنيات خفيفة ومرحة مثل: البنات البنات وخالي البيه والشوكلاتة.

مع ظهور الفضائيات تأخر مشروع العودة للأغنية الفكاهية الهادفة نظرا لاستنزاف الكوميديا الأصيلة مع طغيان حالة الإسفاف لأغلب البرامج من نوع السيت كوم أو ون مان شو، وألاف (النُكَت) العابرة للقارات على مواقع التواصل الاجتماعي والمحطات الإذاعية الخاصة، وجاء مفهوم الضحك بهذه النوعية من البرامج بتجاوز القيم والدينية والاجتماعية مع غياب الهدف التربوي والإنساني، ومع ذلك لازال بعض نجوم الدراما والكوميديا ومن فترة لأخرى يقدمون اغاني بقالب ساخر يخدم مضمون العمل وضمن السياق، ما يبقي الباب مواربا لعودة هذا الفن، وهذا ما يلمسه المشاهد في بعض مسرحيات عادل إمام ومحمد صبحي وسمير غانم، وسبق أن أدى ممثلون كبار بأفلامهم بعض الأغاني الساخرة بفترة الثمانينيات وما بعد، ومنها على سبيل المثال أغنيتان لأحمد زكي بفيلم البيضة والحجر وهما: «ان كنت هايص أو كنت لايص، و أغنية: الترونوخ، والكيمي كيمي كو ويا حلو بانت لبتك لمحمود عبد العزيز بفيلم: الكيف».

حاجز دركي..

الأغنية الفكاهية اللبنانية أسس لها الشاعر الغنائي والملحن والمؤدي أيضا: عمر الزعني، وكانت من النوع الناقد للحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية بفترة الاستعمار الفرنسي، وبفترة الخمسينيات ازدهرت الأغنيات العاطفية والرومانسية، أما الأغنية الفكاهية فكانت ترد ببعض الأعمال منها بصوت فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وصباح، وتميزت الأغاني التي لحنها فيلمون وهبي، منها ما أداه بصوته، وأخرى خص بها نجوم الأغنية اللبنانية والعربية.

في الستينيات برز بهذا الفن فريال كريم واشتهرت أيضا بتقليد الفنانين على طريقة لبلبة وسيد الملاح، والفنان صلاح تيزاني الشهير ب (أبو سليم) قدم مجموعة من المونولوجات الناقدة والأغاني الخفيفة.

وعلى عكس الأغنية الفكاهية في مصر التي انتكست بسبب الحرب كما سبق، برز هذا الفن في لبنان أثناء وبعد الحرب الطائفية أواسط سبعينيات القرن العشرين، وازدهرت الأغنية الساخرة والناقدة للوضع السياسي والإجتماعي، فبعد أن كانت تغني فيروز برومانسية حالمة وعلى سبيل المثال حين استوقفت الأسمر بهدف أن توصل له سلام من محبوبته العاتبة: (وقف) يا اسمر في الك عندي كلام.. قصة عتاب وحب وحكاية غرام، بفترة الحرب اللبنانية اختلف الوضع وكان (الوقوف) عند حاجز دركي هذه المرة حسب رؤية ابنها الفنان المتميز زياد رحباني عندما غنى من ألحانه جوزيف صقر جامعا بين العاطفة والسخرية:

«وقفني حاجز دركي.. قال لي شو الاسم البركة

يا ويلي ملا لبكي.. اسمي نسيته بعينيكي!».

مرايا..

في بداية الثمانينيات كان للأغنية السورية الساخرة نقلة نوعية متميزة جاءت على يد الفنان ياسر العظمة في برنامجه الشهير: مرايا وأعمال أخرى في نفس السياق، ونجح هذا البرنامج على مستوى عربي ولايزال يقدم لغاية الاّن.

ويعود الفضل لازدهار المونولوج في سوريا لسلامة الأغواني بتقديمه لمجموعة من المونولوجات في النقد الإجتماعي والسياسي وخاصة بفترة الاحتلال الفرنسي لسوريا، وحاز على شعبية كبيرة من الناس، وتم اختياره كممثل للفنانين في مجلس الشعب السوري في السبعينيات، ومن الذين ساهموا بترسيخ فن المونولوج السوري رفيق السبيعي وتلاه عبد اللطيف فتحي، وكذلك قدم دريد لحام مجموعة من الأغاني تنوعت مابين النقد والترفيه.

في الأردن كانت هناك محطات لهذا الفن من خلال الإذاعة والمسرح والتلفزيون، ومنها فقرات غنائية فكاهية ضمن فوازير رمضان من انتاج التلفزيون الأردني مع بداية السبعينيات أداء الفنان حسن أبوشعيرة والمرحومين محمود مساعد ويوسف يوسف، وعلى صعيد فن المونولوج قدم الفنان حسن الحلبي مجموعة أغنيات ناقدة لبعض الظواهر الإجتماعية كمونولوج » بست ألو يا خنفس » عندما انتشرت ظاهرة الخنافس في الستينيات، وانحسر ظهوره على الأغلب من خلال الحفلات والبرامج التي كانت تقام في صالات السينما الشعبية في عمان، كسينما البتراء الواقعة في سوق السكر والتي تحولت الان لسوق بيع القماش.

الفنان والممثل الاردني خليل مصطفى برع في الأغنية الفكاهية «أم سعيد » ، وحققت نسبة عالية من الإستماع بداية السبعينيات أيضا، في الأعمال الدرامية الأردنية قدم الفنانان موسى حجازين والراحل حسن ابراهيم هذا اللون بمجموعة أغنيات في مسلسلات: حارة ابوعواد والشريكان، بالأضافة للفقرات الغنائية الخاصة بفوازير رمضان.

إضحك.. إضحك

في العودة لتأمل الأغاني الفكاهية القديمة فائدة لاتخفى على الباحثين والنقاد باعتبارها نماذج منها مازال يصلح لتطبيقة في أعمال غنائية مستقبلية، وأخرى لا تتوافق مع طبيعة الزمن الحالي، وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بأغاني الأطفال لا بد من التوقف عند أغنية محمد ضياء الدين (إضحك.. إضحك)، وهي من النوع التربوي الذي يعتمد على توظيف نماذج وأمثلة من الحياة اليومية كأسلوب تعليمي متطور بعيدا عن الوعظ والتلقين المباشر، وضمن حوار غنائي متبادل بين الطفل والأب يحث على مواجهة الأمور بالضحك مهما كانت درجة صعوبتها، لا تقتصر النصيحة وتقديم المعلومة هنا على الأب فقط، ففي الوقت نفسه يستعين الأخير برأي فلذة كبده متسائلا: ماذا يفعل لوتعرض لمضايقة أو نرفزة من صديق؟، يكون الحل والجواب من الطفل: إضحك، وبالإضافة لأن الطفل يعبر عن رأيه تم توظيف فكرة الضحك بأسلوب راق وحضاري متميز يحسب للفنان الراحل ضياء الدين، ويجدر التنبيه على نقطة تتنافى مع وسائل التربية الحديثة وللأسف في أغنية محمد فوزي الشهيرة: ماما زمانها جاية، حيث يشير محمد فوزي في الأغنية (للواد اللي اسمه عادل):

«ما بيشربش اللبن الصبح.. وكل اصحابه ضحكوا عليه!»، كنوع من التحذير للأطفال بطريقة تتنافى مع اسلوب التربية الصحيح، وبات الضحك هنا من باب السخرية والاستهزاء بالاّخر كنوع من العقاب الغير مبرر، ومن يرضى لأبنه أن يتعرض للتهكم بهذا الأسلوب لمجرد أنه (لم يشرب اللبن)!.

اضحك كركر..

في الأغاني القديمة تمثلت أيضا العديد من الصور الغنائية الجميلة التي تدعو للفرح والبهجة، الناس في أحوج ما تكون لاستحضار أعمال مماثلة على غرار أغنية ليلى مراد: إضحك كركر أوعى تفكر.. حلوة الدنيا زي السكر، أم كلثوم: وضحكنا ضخك طفلين معا.. فعدونا فسبقنا ظلنا، عبد الحليم: لولا ضحكتها الحلوة.. وعدتني بحاجات حلوة، شهرزاد: عسل وسكر عسل.. عيون حبيبي عسل.. ضحكة حبيبي سكر، وأغنية فايزة احمد (مادام معاي) وهي تصف حالة الوئام والسعادة بين الزوجين وهما على مائدة الطعام يقتسمون الخبز والضحك: وبنقسم اللقمة ونضحك.. وبنشرب شاي، فيروز: ضحك اللوز، فريد الأطرش: يابوضحكة جنان مليانة حنان.. اضحكها كمان وكمان وكمان وعصمت عبد العليم: يا ضحكة حبيبي يانور النهار.

وفي السنوات الأخيرة برزت بعض النماذج التي تقترب نوعا ما من أغاني الجيل القديم، ومنها على سبيل المثال حين يغني كاظم الساهر: تدري من تضحك حبيبي..الدنيا ما تحمل فرحتي.. كل شيء يتغير بعيني.. تبتسم حتى دمعتي، حميد الشاعري: لو ملقتش حد يحبك.. حب انت.. لو مالقتش حد بيضحك.. اضحك انت، ونانسي عجرم في دعوة للنسيان ومواجهة الزعل بالضحك: انسى اللي راح على طول على طول.. ماتسيبش زعلك مرة يطول.. افرح شوية واضحك شوية.. كده خلي روحك عالية وهاي.

محمد منير الذي لم تفارقه الضحكة على المسرح في مجمل أعماله، عاد ليؤكد فرحة الحياة وبالوصفة السحرية التي تجمع بين الضحك والغناء:

«أول خيوط الفرحة.. الراحة تمس الروح

الضحكة دي هتلقاها.. جنبك منين ماتروح

افرح بالحياة.. لوِّن حيطان البيت

ارقص وقول حبيت.. اضحك مافيش مانع

غني وانا سامع .. سيب الغنا ياخدك معاه».