محليات

رشفة غبيب من (الّسعن) نكهة غابت من الزمن الجميل

رشفة من الغبيب الطازج الذي يُسكب من (السّعن) أو ما يُطلق عليه (السقا) وهو قربة تُصنع من جلد الماعز بمهارة، كان لها نكهة خاصة في الماضي البعيد، وطعم لذيذ يصعب أن تجد له مثيلاً الآن، وإن كان هناك غبيباً يصنع حتى الآن.

بين الأمس واليوم ضاعت ملامح طيبة، وتبدلت عادات متوارثة، كانت حتى وقت قريب عنواناً للبساطة والكرم الأردني الأصيل والتلاحم والتعاون بين أفراد المجتمع.

للحليب حكايات يحفظها الأردنيون ويتغنون بها، لأنه مرتبط بحياتهم اليومية، فهم يربون الأغنام ويعتنون بها، كي تجود لهم ما في بطونها من خير وبركة، ووجودها يعني لهم الحياة بكل تقلباتها وفرحها وحزنها؛ فالأهالي في الزمن الجميل كانوا أسرة واحدة كبيرة بكل معانيها وتجلياتها، يفرحون ويحزنون لبعضهم بعضا دونما تكلف أو تملق أو منّة.

ففي عمّان كانت القرى النائية في الأطراف، سواء في الشرق أو الجنوب أو الشمال للعاصمة، يحرصون على تربية الأغنام، وصناعة الأجبان والألبان والسّمن البلدي والجميد، وكانوا يبيعون منتجاتهم للعمانيين، كسلعة من أهم مصادر رزقهم في تلك الفترة.

البعض منهم لم يتخل عن عادات الآباء والأجداد، فظل محافظاً على تربية الأغنام حتى اليوم، للإنتفاع من لحومها وحليبها وسمنها ولبنها؛ لكن كثيراً من التفاصيل ضاعت بسبب التطور الذي شهدته مناطقهم.

ففي قرية (المناخر) التي تبعد عن وسط العاصمة 30 كيلو متر شرقاً، كانت الحياة فيها شبه بداوة، وكان معظم السكان يعتمدون في معيشتهم على الفلاحة وتربية الأغنام، والتنقل من مكان لآخر حسب توفر الكلأ والماء.

بيد أن طقوس إنتاج مشتقات الألبان تغيرت إلى حد كبير، فلم تعُد الأدوات التي تصنع يدوياً موجودة، وحلت محلها أجهزة تعمل بالكهرباء؛ حتى النكهة القديمة تغيرت، وأصبحت ممزوجة بمواد بلاستيكية حيث تحفظ المنتجات.

وأصبح بيع الحليب أكثر جدوى من صناعته، لذلك فإن معظم مربي الأغنام يبيعونه للجبّان، الذي يشتري جميع منتجاتهم لصناعة الجبن البلدي الفاخر، حيث يتم جمع الحليب من منازل المواطنين الذي يحلبون أغنامهم صباحاً ومساءً.

عائلات كثيرة لا تعرف ما هو (السقا) ولا تعرف كيف يُصنع، بإستثناء القليل من النساء الطاعنات في الّسن اللواتي شهدن تلك المرحلة، وساهمن في صناعته، من خلال دباغة جلود الماعز، وتمليحها فترة لكي تنشف، ثم حفها بعناية ودباغتها لتصبح لينة، وبعد ذلك يتم إنشاء رقبة مفتوحة للسقا، ثم ربط الأطراف لمنع التسرب.

الستينية أم غازي التي أشتهرت في هذه الصناعة، أصبح لها زبائن من داخل قرية المناخر وخارجها، وفازت مع العديد من المنظمات الأجنبية، كسيدة تعمل في هذا المجال بإحتراف.

لا تستخدم أم غازي السقا، وأستعاضت عنه (بغسالات) تعمل بالكهرباء مخصصة لتحريك اللبن الرائب فترة من الوقت، مع التبريد المستمر، لفصل الزبدة عن الحليب، كما تقوم بعمل الجبنة بطريقة مباشرة وتعتمد عليها في التسويق.

في الماضي كانت تتم العملية، بوضع الحليب مع روبة خاصة عدة أيام في داخل السقا، ليصبح غبيباً، قبل عملية (الخضّ) وهي أن يتم وضع السقا بواسطة حبال تحت (ركابة) وهي ثلاثة أعمدة من جذوع الأشجار مربوطة من الأعلى، كي تحمل السقا لإجراء عملية فصل لبن الشنينة عن الزبدة؛ حيث تنفخ النساء فيها حتى تتخذ شكل القربة، ثم تربط رقبتها جيداً وتبدأ عملية التحريك يمينا وشمالاً مع ذكر الله والدعوات بالخير والجود.

بعد أن تتكتل الزبده مع إضافة الماء البارد، يتم جمعها وتعصيرها، ووضعها في قربة أخرى من الجلد تسمى (مزبد) أو السّعن، وبعد عملية إستخراج السمن البلدي التي تتم بوضع الزبدة مع الجريش والحوايج الخاصة داخل قدر على نار الحطب، ليتم قطف السمن الصافي بعد إمتصاص الجريش للبن الزائد، حتى لا يؤثر في طعم السمن.

يتم أخذ السائل بعد قطف الزبده وتوضع في أكياس من القماش الخشن لفصل الماء عن اللبن، ثم يضغط الخيش بواسط حجر كبير لضمان خروج الماء؛ ويصنع من الجبجب وهو اللبن المجفف الجميد، بحيث تتم العملية بواسطة الإيدي حيث تسمى (الزعمطة) ثم ينشر في الشمس ليجف ويُخزّن بعد ذلك.

أما حفظ السمن فيكون بقربة من الجلد تسمى (المرو)، وهي أصغر من المزبد والسقا، تصنع يدوياً من جلد الماعز؛ كما تصنع الجبنة عن طريق وضع الحليب في وعاء مسطحه، وتوضع عليه مادة تسمى (المساة) وهي قطعة صغيرة تستخرج من أمعاء صغير الماشية يتم وضع الملح عليها وتجفيفها بالشمس، تعمل على تماسك الحليب بعد فترة من الزمن.

أما الصناعة اليوم فتتم بواسطة آلة إسطوانية في أعلاها عمود مربوط بمحرك كهربائي لفصل الزبدة عن الحليب؛ لكن الطرق التقليدية ما زالت موجودة في الصناعة؛ إلا أن الخير والطعم والبساطة فقدت بهجتها ورونقها.

إذ كان الناس قديما يودون بعضهم بعضا، ويتعاونون في الأعمال وخاصة النساء، سواء كان في حلب الأغناء أو صناعة السمن والجميد والجبنة، ومن يصنع السّمن لا بد وأن يُطعم جيرانه من القشدة، وهي جريش السمن المشبع بالسمن المغلي.

حتى الحليب بات يضمحل شيئاً فشيئا، لأن تبعات تربية الأغنام باتت مرهقة وتتطلب جهداً ومالاً حتى تنجح؛ غير أن البعض يقوم بها ليبقى محافظاً على إرث الأجداد وإن إختلفت الطريقة وتنوعت الوسائل، لكن الطعم الأصيل لا يعرفه إلا من خبره.