محليات

أفران الطابون تُنعش تجارة الفحم في الكورة

جذوره عميقة وعشقه يعلو على أصوات المخابز الكهربائية

في كل بيت ريفي حكاية جميلة، تشتم من بين حجارتها وطينها وقصبها رائحة عشق ابدي لفرن الطابون ذو الصفرة الغامقة، والمكحل بخطوط السنا الاسود التي تملأ فوهات الحطب المتجمر وفتحة الخبز والصواني المدلاة وسط حرارة شديدة تنضج الاكل بدون نيران.

والطابون عبارة عن قاع محاط به جدران مائلة وفتحتان واحدة علوية مع صمامة واخرى جانبية للحطب، ومصنوع من طينة خاصة تسمى (العليتش) أو (التربة البيضاء)، وتخلط بمادة التبن الأبيض (تبن القمح أو الشعير)، وتترك لمدة عشرة ايام حتى تجف ثم يشوى بالنار لمدة يومين او ثلاثة ايام لاكسابه صلابة تمنع كسره.

وارتبط فرن الطابون هذه الايام بالتراث والسياحة معا، ففي حالة تعطل المخابز الحديثة عن انتاج الخبز لامر طارئ، تتوهج نيران هذه المخابز لتسد نقصا حاصلا في مادة الخبز، فيما اتخذها اصحاب المطاعم الريفية في انتاج اصناف الطعام والخبز الساخن بذات الموقع للزوار والمتنزهين الذين يشعرون بنشوة لا وصف لها.

واطلقت «ام خالد» من بلدة الاشرفية، صناعة افران الطابون، حيث اصبحت تتميز باتقان صناعتها وتتفاخر وتتغنى بشهرتها بين الناس، في الوقت الذي التفت جاراتها الخمسينيات حول فرن الطابون بمنزلها، وهن بلباس الشرش الاسود المخملي المطرز بخطوط ذهبية مزركشة، يتذوقن طعم الخبز الاسفنجي المحمص، بعد ان انتشرت رائحته الزكية في ارجاء المكان.

واحيت افران الطابون صناعة وبيع الفحم بشكل لافت، حيث اشار تجار بديرابي سعيد، الى ان المتنزهين يشترون الفحم التجاري بكميات كبيرة من اجل تشغيل افران طابون صارت ترافقهم في رحلات التنزه، توفر عليهم جهدا وزمنا في تحضير وشواء اللحوم والطعام، وفي ذات الوقت انظف للمستخدمين والمكان.

وقال رئيس جمعية السنابل الذهبية في بلدة بيت ايدس، صاحب فكرة مشروع البيت الريفي، الذي طاف الاردن وهو يشرح ويدعو الناس للعودة لاحياة عيشة البيت الريفي، ان اول ركن اوجدناه في مشروعنا فرن الطابون، لامرين، الاول: إعادة صناعة الخبز البيتي من القمح البلدي، والثاني: احياء الموروث الشعبي الذي استخدمه الاباء والاجداد في تلبية احتياجاتهم من الخبز، حيث تم توزيع (50) فرن طابون للاسر المستفيدة من مشروعنا.

وتعود صناعة افران الطابون في بلدات الريف الاردني إلى عشرات السنين، ولا زالت مستمرة الى اليوم في عصر التكنولوجيا والطاقة البديلة، بعد ان كان المواطنون يستخدمون الصاج الحديدي بانتاج الخبر البلدي، وهو عبارة عن قطعة حديدية نصف كروية بقطر (40) سم توضع اسفله ثلاثة حجرات صغيرة يُدس من بينها الجفت والحطب لتوقد نيرانها وينضج ويتقمر خبزها.

وتعمل حاليا في انتاج الخبز باستخدام افران الطابون عشرات السيدات والفتيات الريفيات، حيث يظهر انتاجهن من الخبز وأقراص العيد والمطابق والمكمورة في المعارض والبازارات والمناسبات الاحتفالية، ويلقى اقبالا ورواجا وبيعا لا يتوقع، حتى اذا اراد الرجل الريفي ان يكرم ضيفه بشدة يستخدم فرن الطابون في تحضير الطعام اللذيد الشهي.

وبسبب رفع الحكومة الدعم عن الخبز، تقول ام عثمان الشريدة، تشجعت الاسر لشراء أفران الطابون وانتاج الخبز البيتي لانه صار أوفر لها، وفتح عيون المزارعين لاستغلال اراضيهم بزراعة القمح بعد ان انعم الله علينا بموسم مطري غزير، مشيرة الى ان فرن الطابون اراح الناس واذهب عن عقولهم صعوبة الحصول على الخبز في أي وقت من النهار والليل، وعلى رأيهم «لا تحتار اطحن واخبز بالدار».

وفتحت صناعة افران الطابون فرص عمل لسيدات في بلدات الريف الاردني، بعد اعادة احياء انتاج خبز الطابون برائحة الحطب، حيث لم تعد تخلو قرية ريفية من سيدة تنتج افران الطابون، وبيعها لابناء البلدة، واحيانا لاهل المدن الذين شيدوا عمائر توجوها بالمواقد وافران الطابون ليلامسوا ايام الزمن الجميل من باب «الابرستيج».

وقال رئيس جمعية التراث الاردني طارق السباعي بني ياسين، ان عودة صناعة افران الطابون سوف تمهد الطريق لاحقا لاقامة مشاغل تعنى بذلك في عدد من القرى الريفية، بعد ان تقوم الحكومة بمنحها دعما ماليا، في اطار «دعم المشاريع الصغيرة»، وتوسع من شريحة العاملات بها من الفتيات والسيدات، مؤكدا ان انتشار افران الطابون ذائعة الصيت تعزز هذا التوجة واصبحت اسعار البيع تتراوح بين (25-50) دينارا حسب الحجم.

وقال الشاب غسان النوافلة: رغيف الطابون بقالب الكيك الاسفنجي بطعم القمح البلدي تغطي وجهه طبقة ملساء مقمرة تميل للون البني الفاتح، بحيث يفتح الشهيه ويدفعك لاكله دون أية مقبلات غذائية، لكن تزداد قمة التذوق والاكل اذا غُمّس بزيت الزيتون البلدي.

وتتذكر شفيقة بني سلامة، ايام كانت النساء تجتمع عند فرن الطابون وقت الخبيز الذي يمتد لساعات وعلى الدور (النوبة)، ليتحدثن عن هموم ومشاكل وقضايا البلدة، حتى انهن لم يتركن واردة ولا شاردة الا وناقشنها، وكان ان دخل شخص غريب على البلدة خلال لحظات يتم الاستعلام عنه والتثبت من حاجته وغايته، ما شكل وعمق منظومة التكافل والتعاون والمحبة بين الناس.

وأضافت: عندما كنا صغارا، كانت صناعة افران الطابون وانتاج الخبز منها، متلازمة يومية لنا، حتى اننا كنا نقف امام فرن الطابون لاكل الخبز الساخن من بيت النار، وعيوننا تشتهي صواني الدجاج والخضار المركونة في وسط الفرن، حيث كانت الامهات ترفع صوتها «احترسوا» هذه ايام خالدة لا تُنسى» واياكم ان تتبتعدوا عن خبز الطابون الذي تتدلى جذوره اعماق الارض التي تعيشون عليها.

وتسللت صناعة افران الطابون هذه الايام الى كل بيت اردني بطرق متعددة، بعيدا عن التعليمات والانظمة البيئية التي حاولت الحكومات فرضها من اجل طمس هوية تراث الطابون، بحجة التلوث البيئي، الا انها فشلت بسبب وجود قناعة راسخة لدى الاجيال المتعاقبة «من لا تراث له لاجديد له»، مرددين مقولة دع الطابون يعلو فوق اصوات المخابز الكهربائية.

وتشير اركان معظم غرف وصالونات البيوت الاردنية وحتى العربية وطالت احيانا الاجنبية، الى وجود وصية غير مكتوبة ممثلة بقطعة فخارية صغيرة واخرى طينية تتربع على ركن او زاوية او رف، تؤكد حب العودة للاصل والتراث وتدلل على مسيرة الانسان في توفير خبزه.

وهذه دعوة للحكومة من خلال وزارة السياحة والصناعة والتجارة ان تطلق حملة، فرن طابون في كل بيت اردني لتصيب هدف انتاج الخبز وتشغيل الفتيات ونشر السياحة وتعميق التراث.