أبواب

الحب الأول..رعشة قلوب لا تنسى

«وردة ذابلة بين صفحات كتاب.. رسائل مُصْفَرّة.. منديل عتيق أو صورة قديمة ما»، متعلقات لا زالت تقاوم الزمن، يحتفظ بها البعض في ركن ما بعيدا عن الأعين، يعود اليها أصحابها كلما استبد بهم الحنين لذكريات الحب الأول، وما اّلت إليه من نهايات منها ما كانت سعيدة ومرضية، وأخرى عكس ما تشتهي سفن العشاق وأمانيهم، إلا أنها وفي كلتا الحالتين ذكريات مؤثرة ألهمت رواد الكلمة والنغم لإبداع مئات الأغاني، جاءت بمعظمها من وحي قصص ومواقف حصلت بالفعل مع أناس عاديين، أو من أحداث وحكايات عاشها المطرب أو الكاتب نفسه، لتشكل هذه النوعية من الأعمال إضافة للأغنية العربية ميَّزتها عن الموسيقى والغناء الغربي، وتكمن أهميتها باعتبارها مرجعا حقيقيا وصادقا يمكن من خلاله تحليل واقعنا الاجتماعي والثقافي.

الوسادة الخالية..

«في حياة كل منا وهم كبير اسمه الحب الأول»، عبارة شهيرة للكاتب إحسان عبد القدوس وردت في مقدمة فيلم (الوسادة الخالية) عام 1957 بطولة عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، وهو مأخوذ عن قصته التي تحمل هذا الاسم، أراد من خلالها أن يوصل رؤيته هذه للقارئ والمشاهد معا، ويعتبر من أهم الأفلام التي تتطرق لموضوع الحب الأول في حياة الإنسان، وفي الوقت نفسه من أفضل أفلام عبد الحليم، آراء كثيرة تتفق مع هذه الرؤية لإحسان، يقابلها رفض كثيرين التسليم بذلك، والتشبث بمقولة أنه الحب الحقيقي والوحيد في حياة الإنسان الذي لا يمكن تعويضه أو نسيانه بأية حال، ومع ذلك تجمع أطراف عديدة بأن جمال الحب الأول يكمن بتوقيت حدوثه والمتوافق مع فترة المراهقة، أو مرحلة السنوات الجامعية الأولى، والتي تتسم بالبراءة والعفوية وتغليب الخيال على العقل، ما يتيح للطرفين البوح والفضفضة والتعبيرعن المشاعر المكبوتة، مسرح الأحداث غالبا موقعه الحارة ومدرجات الجامعة، وشخوص هذه الحكايات أبناء وبنات الجيران وزملاء الدراسة ،أو ما تتيحه صلة القربى في أحيان كثيرة،إلا أنها علاقات غير ملزمة بتحمل أية أعباء ومسؤوليات مايسهل على الغوص بأجواء رومانسية حالمة ومؤقتة على الأرجح،عدم الاستمرار هو النتيجة الحتمية لذلك لقلة الخبرة،وعدم إمكانية أخذ القرار بالإرتباط الذي يتطلب إمكانيات مادية ونفسية، بالإضافة لغياب الوعي لطبيعة السن،ما يحول دون تكوين أسرة يتحمل أعباءها كلا الطرفين،ومع ذلك تبقى هناك شخصيات قادرة على تجاوز آثار هذه النهايات فيما بعد،و شخصيات أخرى تعجز عن ذلك وتأبى الخروج من دوامة الماضي، وعدم الإلتفات للحاضر الذي قد يعد بما هو أجمل.

موانع..

الحب الأول ودوافعه وما اّل إليه من نتائج تنوعت ما بين الإرتباط أو الفراق، كل ذلك جسدته أغان عربية عديدة كما سبق، وبالتالي لم يقتصر دور الأغنية على خلق حالة من المتعة أو تذوق للموسيقى والكلمات فقط، وأنما تحليل سيكولوجية الفرد وما أورثته إياه الحياة الإجتماعية والثقافية من معتقدات ومفاهيم تجلت آثارها في كيفية رؤيته لهذه العلاقات وطريقة التعامل معها، وأول هذه المعتقدات الراسخة في اللاوعي بأغلبها، أن رؤيته هذه تشكلت من واقع تجارب الاّخرين في محيطه وصورتهم المسبقة عن الحب نفسه، وما يولده من خوف وقلق وعواقب وخيمة لا تحمد عقباها، أو بسبب تواجد خلافات ومشاحنات بين الأب والأم مايطبع في ذهن الابن صورة سوداوية عن الزواج، تلزمه التراجع وعدم الاستمرار في أي علاقة عاطفية ، ومن هذه الأمثلة مشهد من فيلم يوم من عمري 1961 لعبد الحليم ومع بداية تشكل حبه الغض لزبيدة ثروت ولحظة توجهه للمطار لاستقبالها بصحبة قائد المركبة عبد السلام النابلسي، غنى حليم معبرا عن توجسه من تداعيات الحب الأول:

«خايف مرة أحب وعارف ليه انا قلبي خايف

شفت الحب بيبكي ويضحك ملو عيون وشفايف ».

ومن فيلم شاطئ المرح 1967 غنت نجاة الصغيرة في «الأتوبيس» مع مجموعة من الفتيات، وفي غياب متعمد وواضح للشباب :

«عارفينك يا حب جريء بتجيلنا من ألف طريق

ولا بحرك بيطفي حريق ولا برك بينجي غريق

لا العاشق مرتاح ولا الخالي مرتاح

خلينا من السكة دي على البر مراكبية ».

الحبيب المجهول..

وضمن أحداث فيلم وداعا يا حب 1960، وفي اللحظة التي بدأت تحركه مشاعر خفية تجاه مريم فخر الدين غنى محرم فؤاد متهيبا من هذه البداية:

«أوعى تكون بتحب يا قلبي أوعى تكون بتحب؟

مالنا ومال الحب ياقلبي

مالنا ومال النار تكويك

أوعى تحب الله يخليك ».

وهذا ما ينطبق على عادل مأمون بفيلم العزاب الثلاثة 1964:

«ابعد عن الحب وغنيله

وان فات عليك اياك تناديله

خليك زينا في حياتنا هنا

لا خدنا منه ولا منديله».

و من فيلم انت حبيبي 1957 عبرت شادية عن اللاجدوى من هذه العلاقة: ما يكونش دا اللي اسمه الهوى.. اللي مالوش في الكون دوا.

وحتى في الأغاني التي تتحدث عن الحبيب المجهول أو المنتظر بالصورة المتخيلة لكل عاشق، ظل الخوف من تداعيات هذا الحب قبل وقوعه حاضرا في الأغاني، والأمثلة على ذلك كثيرة كأغنية (الحبيب المجهول) لمحمد عبد الوهاب التائه بين الحقيقة والوهم :

«يا هل ترى الأيام حتحقق الأحلام.. ولا تكون أوهام وتحققت في منام.. وارجع انادي من طول سهادي»، وهذا هو لسان حال ليلى مراد في هذا المقطع من أغنيتها (إنت مين إنت):

«بسمع عبير وردك انغام.. من يوم ما جاني وقاللي كلام.. وخايف يكون كل ده اوهام.. ولا عذول سهرني ونام».

أول مرة..

على الجانب الآّخر يبقى للحب الأول صورة جميلة في مخيلة البعض، وعكست الأغاني هذا النوع من المشاعر أيضا لتفند الأراء المخالفة لذلك، وأبرزها عندما عبر عبد الحليم عن فرحته بوقوعه في الحب لأول مرة ومن فيلم الوسادة الخالية أيضا: أول مرة تحب ياقلبي.. وأول يوم تهنى.. ياما على نار الحب قالولي.. ولقيتها من الجنة، وبنفس المشاعر ومن فيلم الخطايا 1962 غنى العندليب أيضا لـ (الحلوة) نادية لطفي: في اليوم والساعة والتانية أنا فاكر.. أول مرة قابلتك فيها، أول كلمة ناديتلك فيها.. أول مرة أقول يا حبيبي.. وحاسس معانيها.

ومع شادية وهي تعبر عن موقفها من أول حب: أنت ايه بالنسبة ليا.. بس بص انت في عنيا.. والجواب هيبان عليا..إنت أول حب ليا، محمد فوزي: جاني الحب جاني.. وفرحت بقربه تاني.. ومين يا قلبي ينسى.. حبيبه الأولاني، المطربة داليدا أرادت هنا أن تستعيد ذكريات حبها الأول في مسقط رأسها بحي شبرا في القاهرة: ذكريات كل اللي فات.. فاكرة يا بلدي.. قلبي مليان بحكايات.. أول حب كان في بلدي.. مش ممكن أنساه يابلدي.

الوفاء لذكريات الحب الأول لم يغب عن خاطر مطربي الثمانينيات أيضا،وهذا ما تؤكده جوليا بطرس:

«الحب العتيق واقف خلف الباب

بعده طفل صغير بياخدنا مشاوير

بنهرب وبيلحقنا..بيلحقنا

ليش الحب الأول ما بيرضى يفارقنا ».

أول واّخر حبيب..

والجدير بالذكر أن بعض الأفلام الغنائية حملت عناوين جذابة حول هذا السياق ومنها فيلم: الحب الأول 1945 بطولة جلال حرب ورجاء عبده، وفيلم أول غرام 1956: شارك به المطرب اللبناني محمد مرعي والفنانة سامية جمال.

حالة أقرب للتصوف يرغب أن يعيشها من كان الإلتزام والوفاء طبعهم،والحسم من وجهة نظرهم أن الحب الأول هو الأخير،تم تصوير هذا النوع من المشاعر بأغنيات تعايش معها المستمعون العرب وبأصوات أشهر المطربين والمطربات،ومنهم عبدالحليم: بحلم بيك وبحبك وانت أول حب واّخر حب، فايزة أحمد: أول مرة تقابلنا.. عرفت ان ح احبك.. اّخر مرة تقابلنا أكتر مرة بحبك، محرم فؤاد: الحب الأولاني.. لا قلبي حب قبله.. ولا بعده حب تاني، ميادة الحناوي:

«لكن الغريب والشيء العجيب

بحس دايما انك قريب مني قريب

وانك ياروحي أول حبيب واّخر حبيب ».

كيفك إنت..

كيف تكون ردود الأفعال عندما يلتقي الطرفان بعد غياب سنوات، عن هذا عبرت الأغاني ومن أجملها موقف فيروز لحظة اللقاء: كيفك.. قال بيقولوا صار عندك اولاد.. انا والله كنت مفكرتك برات البلاد.. شو بدي بالبلاد الله يخلي الولاد.. كيفك أنت؟،سعاد محمد: الله على لقا الحبيب بعد الغياب.. حلاوته بتخلي الهوى.. يرجع شباب.

ولمن خاب أملهم بتحقيق علاقة عاطفية متوازنة،ترد نصائح كثيرة وعلى لسان أطباء نفسيون وباحثون اجتماعيون يشيرون عليهم بعدم التردد على الأماكن التي شهدت قصة الحب الأول، لكن كثيرون ضربوا هذه المواعظ عرض الحائط، وفيما يلي قائمة ببعض هذه الأسماء: شادية وعندما عاودها الحنين لأول مكان جمعها بالحبيب ووقفت تغني على أطلاله «أول لقانا كان هنا وكان هوانا وحبنا..ولسه هنا وكمان هنا..وهنا وهنا»، نجاة علي من شدة تعلقها بالمكان تركت قلبها هناك وهذا ما ورد في أغنيتها الشهيرة: وان رحت مرة تزور.. عش الهوى المهجور.. سلم على قلبي، محمد عبده: الأماكن كلها مشتاقة لك، ويبقى البيت القديم المكان الذي يختزل كل الذكريات ومع صوت محمد رشدي:

«كل خطوة معاك مشيتها.. كل لحظة معاك قضيتها

كل كلمة نطقت بيها وقلتها.. كل دمعة وكل ضحكة ضحكتها

لسه مكانك زي ماهوه.. لسه بشوفك بره وجوه.. وجوات البيت القديم ».

أحب اسمك..

تناسي ذكر اسم الحبيب واحدة من الحلول المطروحة لتجنب استعادة ذكريات حزينة، ولكن (على بال مين ياللي بترقص بالعتمة)، فالمطربة شهرزاد وإن كانت تناقض نفسها لازالت تطرب لإسمه وتتغنى به: أحب إسمك واحب سيرتك.. ويسألوني أقول كرهتك !.. ومين يصدق مين؟!، ويبقى لأسم الحبيب وسيرته بريق لايقاوم عند لطيفة التونسية وهي تشدو:

«لما يجيبوا سيرتك يحلو الكلام.. واتنهد بسري واهديك السلام »،ومن حالات ردود الأفعال عند سماع سيرة أحدهم،أن (يتشردق) أو يغص المستمع المعني بالشخص المذكور، وكما حدث مع صباح: يا واد يا ساكن حينا.. يا واد أنا قلبي عِشِقْ.. ولساني جاب سيرتك شِرِقْ.. ما تيالله يا واد نتفق.. ونحب تاني بعضنا، أم كلثوم كانت الطرف الأقوى بين كل هؤلاء وهي تعلن عن رفض التطبيع مع المكان أوالإسم اللذين قد يذكر انهما بنهايات حزينة لعلاقة لم يكتب لها الاستمرار:

«ببعد عن أي مكان رحته ولو مرة معاك

واهرب من أقرب ناس يعرفوا قصتي وياك

وبغيَّر أي كلام بيجيب سيرة لذكراك ».

مقارنة

أما في حالة المقارنة بين الأغاني القديمة والحديثة نسبيا، نجد أن أغاني زمان عبرت عن زمنها بشكل أصدق، في وقت لم تكن قد برزت وسائل التواصل الإجتماعي التي سهلت العلاقات بين الطرفين كما يحدث الاّن، ففي زمن فيروز عندما كانت لغة الاتصال بالورد عبرت عن وفائها بالاحتفاظ بالوردة المهداة إليها: وهديتني وردة.. خبيتا في كتابي.. فرجيتا لاصحابي.. زرعتا ع المخدة، وعندما كانت الصور الفوتوغرافية في زمن الأبيض والأسود تثير الحنين والذكريات، تغنى بها محمد عبد المطلب: صورتنا واحنا سوى.. تشهد يانور العين.. على جمال الهوى.. بين قلبين، وعن المنديل الذي ما زال يحتفظ به طيلةهذه السنوات غنى طوني حنا: من حبي الغالي ما حرمتك.. والشال الأبيض ما حرمتك.. مرة اهديتيني محرمتك.. بعدا محفوظة الهدية.

تقليد..

أما في القرن الواحد والعشرين ومع توافر تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، التي لا تحتاج لأن يحتفظ العاشق برسائل قديمة مكتوبة أو المنديل أو الصور، إلا أن أغاني هذا الزمن لم تواكب أو تعبر عن هذا التحول الاجتماعي، ومن الأمثلة على ذلك أغاني مصطفى قمر بفيلم (الحب الأول) 1999،الذي جاء نسخة مقلدة لأفلام تطرقت للموضوع ذاته كما يشير عنوان الفيلم، وباستعادة كلمات اغاني الفيلم ومن أغنية (خايف اقولك): أول حب وأول فرح.. وأول هوى سهرني ليالي.. مستني عينيك وانا ملك ايديك.. ارحم حالي، وهنا تتضح الرؤية التقليدية لأغاني الحب الأول زمان، ولا تصل حتى لنمط الأغاني القديمة التي سبق ذكرها.

ومثال اّخر ومن أغاني عمرو دياب «اّه من الفراق» والتي تتطرق للحنين للمكان: ويا عيني ع اللي كان بيحب التاني أكتر.. بيسهر في المكان.. بيبقى عذابه أكبر »، وعن الصور التي تستعيد عبق الحب الأول غنى عمرو دياب أيضا ومن أغنية (سبت فراغ كبير): سرحت فيك صورة لينا وانا ماسك إيديك.. وقولت لنفسي دي الدنيا وهنعمل إيه.. تقوم تعيد ما فيش رجوع.. دا ماضي وراح، والملاحظ هنا أنها كلمات عادية أخفقت بالتعبير والكلام يخلو من أي عمق أو تجربة، وهذا ليس ببعيد عن أغنية شرين (خايف) وخوفها من عودة الحب القديم: خايف مع الأيام تنسى اللي بينا أوام.. واخاف الاقي فيك حاجات زمان ما كانتش فيك.

ومين ينسى؟!..

للبدايات سحرها التي ما زالت تداعب مشاعر خفقت لها القلوب ذات يوم مرددة مع حليم ذكريات اللقاء الأول: ومين ينسى.. ومين يقدر في يوم ينسى.. شعاع أول شرارة حب.. ونظرة من بعيد لبعيد تقول حبيت.. ورمش يقول غلبني الحب..غلبني، وفي حالة من الوجد طافت الأرواح مع عزيزة جلال بصوتها الملائكي وهي تستعيد اللحظات الأولى: انسى كله.. كله كله.. ألا أول ما تقابلنا.

«لا أريد من الحب سوى البداية»، خاطرة اختصر بها محمود درويش جمال وشفافية أول الحب بمعناه الأشمل، ولأجل أن يدوم وبلسان حال جميع الناس راحت أم كلثوم تناجي الله سبحانه وتعالى:

« يارب

تفضل حلاوة سلام اول لقا في إيدينا

وفرح اول معاد منقاد شموع حوالينا

ويفوت علينا الزمان يفرش أمانه علينا

ولا عمر كاس الفراق المر يسقينا

ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا

وغير شموع الفرح ما تشوف ليالينا

ياااااا رب» .